|
«سراج الجسد هو العين. فإذا كانت عينُكَ بسيطة قجسدُك كلّه يكون
نيّرًا. وإن كانت عينُكَ شرّيرة فجسدُك كلّه يكون مظلمًا. فإذا كان
النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كيف يكون...؟»
-
I
-
خلت الراهبة المنسيّة إلى ذاتها في سكون الليل، تتأمّل
النجوم في الجلد، وتنظر إلى نورها يلمع في السماء... أحسّت بضمير الكون
يتغلغل في تلك البقعة الضوئية. وراحت ذاتها ترتعش، حتى انسلخت عن جسمها
وارتفعت نحو النيّرات البعيدة، ومن هناك اخترقت باب الفضاء نحو الضوء،
فانفتحت أمامها كلّ حقائق الأرض، ورأت من هناك شريط! التاريخ أوّلَه
وآخرَه.
وإذا بروحها المنخطفة تناجي الليلَ في تلك الظلمة المضيئة
التي تكتنف الضوءَ العميق: «أيّها الليل، يا رحم الأسرار الكبيرة، تحت
رايتكَ الممتدّة تتجمّع النفوس، وتهيم الحقائق سابحة، وتنفتح خفايا
الإنسانية».
«أمامك، أيّها الليل، تترامى سدوم، حيث غرقت اللعنة في
العيون، وتفجر الزلزال، فانصهرت خفايا الأقنعة في وجه واحد، يبحث عن
كهف، مختبئ فيه من نور الشمس».
«أيّها الليل، عرّت هدأتُكَ عقمَ النفوس في البؤرة التي
انفصلت فيها عن الرؤيا، فباتت المناجاة أولى من الصمت المؤلم، وأجدى من
السكينة العاقر، ولكنّ الوحدة طاغية، تتأصّل في غور الزلازل، وتنحرف
عن أوّلانيّتها، لتصير منفًى خارج الأثير، وضَياعًا بين المتناقضات،
وسَقطةً مؤلمةً بعيدًا عن إكسير الشمس».
«تلتهم الوحدة الرحمةَ التي تحاول أن تمحو فجيعة آدم، وتردّ
إليه ذاته الأولى في وحدتها الأصيلة...».
«أيّها الليل، نام الصقر تحت عينيكَ ينتظر فجرًا جديدًا،
واستكانتْ لُجَجُ هَ,له خلفَ الأستار، بانتظار المعركة القادمة».
«إنّي أرى التاريخَ يُلَخَّص في حركةٍ واحدة تتّجه نحو
الأبد، وجذورها تمتدّ في الأزَل. إنّي أرى الزمنَ فكرةً تذوبُ في
الأثير، والمكانَ خَطرةً لا مكانَ لها في اللانهاية... وأراني بينهما
فعلاً مشدودًا إلى المطلق، وصوتًا منفتحًا لأصوات الكون كلّها تغنّي
السعادةَ الكليّةَ تحتَ فيضِ النور العظيم...»
«أيّها الليل، لأَنْتَ جسرٌ متى وعى الإنسان أهميته وصل به
إلى ما وراء الإنسانية. ففي خلاله يُتاحُ لآدمَ أن يلتحم بنفسه، ويدركَ
مجالَ الرؤيا الحيويّ، ويدخل مدارها، فيغتسل بنور الشمس».
لقد خلا آدمُ إلى نفسه في ضوضاء نهاره المعتم، وراح يروّض
الطبيعة بالحديد والنار المجرمة.فمن بُرج بابل الذي ارتفع فوق سياطِ
الطغاة تنهش جسدَ المستَضعَفين، إلى هياكل جوبيتيرَ تعلّيها جماجمُ
العبيد، إلى مدُن الذرّة، حيث يعصف الدمارُ ، وتضيعُ الألوف الألوف
نكرةً تحت خرائب الحياة المهدّمة...».
«لم يعرف آدم، حتى الآن، أنّ معركته مع الطبيعة هي معركة
تأليف بين الأضداد، وأنّ القوّة التي يبحث عنها لترويضها إنّما تضطجع
في قرارة ذاته، لا في الحديد والنار. لم يعرف آدم أنّه جزء من الطبيعة
يتّحد بها، ويتناغم، ويتكاملان معًا تحت ضوء الشمس. لم يعرف آدم أنّ
مقتلَ الطبيعة لا مرَدّ له طالما أنّه لم يعِ مكانه فيها ودورَه...».
«آدَم، آدم... ما أصعبَ الحياةَ عندما تصبح نارًا سوداءَ بين
يدي بنيك. ما أعتى العطشَ عندما تغدو الدنيا صحراءَ مقفرةً، يتربّص
فيها سَرابُ الموت، وتخترقُ العيونَ في تأجّج الهجير».
«آدم، آدم... عصَتْكَ الفلسفةُ لأنّها غرّها العقل، وأفلتَ
منها النور، فارتهنَ العلمُ بالحديد والنار، وانهارَ برجُكَ الكبيرُ
أضغاثَ أحلام في عَرَضيّة الزمن والتاريخ. عصَتْكَ المحبّةُ،
فاستلَلْتَ السيفَ بديلاً لها، وركبتَ قطارَ الرعبِ والهول، ورحتَ
تضربُ في مجاهل الشرق والغرب، بحثًا عن طريق اللامعقول...».
-
II
-
عادت الراهبة المنسيّة إلى نفسها بعد أن هامت في الأثير داخل
حقول الرؤيا. كان جبل الزيتون رابضًا كالعرش يُطلّ على وجه سدوم، وكانت
المدينة بحرًا يُزبدُ فيه ضجيجُ الملذّات، يحترقُ في باطله الحقّ،
وتنهار روح الشرائعِ خلفَ أقنعة التفاهة والزور والبطلان!
وتحدّرتْ دمعة على خدّ الراهبة المنسيّة، وكاد أن ينفطر
قلبُها حزنًا، وكانت أبعادُ الرؤيا الإلهيّة تتجسّد فيها أكثر فأكثر.
رأت إلى ذاتها مَنفيّةً، غريبةً عن هذا الوجود. وانشقّ أمامها داخلُها
عن نهر من الضوء خرجَتْ منه خلاصة تجاربِ الإنسانيّة، ورحلة التاريخ
نحو اللانهائيّ.
وجدَتْ نفسَها في هذا النهر المتدفّق، تتقمّص
«الحَمل»،
وتكسر جسمَها كفّارةً للذنوب. ونظرتْ إلى يديها، فإذا آثار المسامير
تمزّق لحمَها، وإلى جبينِها، فإذا الشوكُ تاجٌ من الألم يُصفّي نفسَها
من بقايا الشوائب. ووجدت في ذاتها المنخطفة آنذاكَ ملخَّصًا لتاريخ
النور الأعظم وتجلّيه في العالم: من شمس أخناتون في قمّة «الهرم
الأكبر»، إلى إشراقيّة بوذا، إلى صوتِ محمّد يجلد رملَ الصحراء
ليطهّرها من الدنَس، إلى تألّه الإنسان في المسيح...
وحوّلت عينيها إلى سدومَ، وعاد الأمل يعتصر قلبَها. كان
الفريسيّون يعربدونَ في هيكل الربّ، ويسجدون لأصنام من الحديد، جديدةٍ،
أعتى من أصنام الزمن الأول، ويرمون الأبرياء بالجرم والخيانة. في هذا
الحشد المزبدِ عربدةً واستبدادًا، تفتّت الصلةُ ما بين آدمَ والله،
وشهدت الراهبة المنسية أفظعَ ما يمكن أن يُحفرَ في كتاب التاريخ، إذ
رأت في احتقانِ سدومَ زوالَ اللهَ!
-
III
-
غار الليلُ في حنجرة الراهبة المنسيّة، وتغلغل في عينيها،
فاشتفّت فيه الضياء، وتصفّت بنقائه. عادَ إليها معنى الصمت والوحدة،
وعادت إلى ذاتها تَكتَ،ِهُ الأسرارَ الكبيرة في فردوس الإنسان المفقود.
تقمّصت الأشياء حتى عانتْ معناها. عاصرتِ الذواتِ التائهةَ
فأدركت عنصرَ تَيْهِها؛ ورأت جثّةَ الحقّ أُعدِمَت بالرصاص، وأُلقيَت
في ساحة سدوم، عبرةً للناس!
نزلت الراهبة المنسيّة من جبل الزيتون، فإذا بخلق كثير
حولها. اختارت منهم اثني عشرَ كانوا أقرب الناس إلى روحها، وأقدمهم
روحًا؛ وسألها أحدهم: «أليس الإنسان وردةَ الحياة، فكيف تذبل الوردة
وتبقى الحياة؟»
أجابت الراهبة المنسية:
«إذا ذبلت الوردة تحوّلت الحياة شمسًا
باردة، وسرابًا ينجرّ خلفَه الإنسان».
«الحياة لمنْ يَنهَلُ من مياه الفكر المستنير ماءَها
المقدّس، فينموان معًا باتّجاه الشمس، ويتكاملان معًا في وحدة كلّ
الموجودات. ومَن لم يجد ذاتَه فيها ويصل من خلالها إلى جوهر العبقرية
صار الصليب في داخله خشبًا منخورًا، وتحوّلت هندسة الدنيا في عينيه إلى
قبو مظلم، يطحن الذات، ويحجب عنها سرّ البقاء، فلا تزكو، ولا تتفتّح
لها براعم».
«الحياة ينبوع يتفجّر من الأعماق وفيها، فإذا فُقدت العين
التي تتفتّح على هذه الأعماق، والنور الذي به نراها، تعطّل التفجُّر،
ونضَبَ الينبوع. ابحثوا عن أعماقكم، عن عمق أعماقكم، تجدوا سرّ
الحياة».
«إنّ الصقرَ الذي يحلّق في السماء إبّان ضوء النهار، يحيا
في نِعمة الحياة وتفجُّرها، على عكس عالم الطرائد الذي يعيش في
الظلمات. ومن خلال هذا يسيطر الصقر الجبار على الطبيعة. وإن لم يكن
الإنسان كذلك، يتنفّس بالروح الإلهية، بطلت حقيقته، ونما في العبث
والنقصان، يسحقه التيه المتربّص في الدروب، ويبتلعه الوحش الكامن في
ساحة المعركة».
«الحياة نعمة وعطاء. فمَن كان عقيمًا فشل في تقمّصها، وارتدّ
خائبًا كما آدم، لأنّه، عندئذٍ، لن يقدر على النموّ داخل الأشياء
ليتكاملا معًا، ولن يستطيع أن يصير جزءًا من «الكونيّ»، ولن تسري في
عروقه قوّته. إنّ «الباب» الذي نلج به إلى عالم «الكونيّ»، ونخرج منه،
لا ينفتح بين النجوم إلا لمن غسلت المحبة روحه ونفسه، وطهّرهما
بالعطاء، ليصير على مستوى بذرة الروح الإلهية في أعماقه».
والتفتت الراهبة المنسيّّة بروحها نحو الأثير. كان شعاع من
نور الشمس ينزل منه ليدخل أعماق روحها، ويربط به وعيها. وعندئذٍ عادت
روحها إلى جسدها هابطة، وخرجت من تأمّلها، وأمرت تلاميذها فتبعوها،
وتقدّموا نحو التاج، وخرجوا من المدينة...
يتبع
حلقات الأعداد السابقة:
الفصل الثاني: فصل النزول إلى سدوم
الفصل الأول:
فصل التكوين
التمهيد: قراءات وإشارات |