Tajawoz E-Magazine, September 2006 - Issue 04

 

العودة إلى الفهرس
الصفحة الرئيسيَّة

 

العودة إلى الموقع

 

 Sky Main Page »

بقعة ضوء
(من ساندرين متَّى)

- شو عم تقول؟ العيلة كلاّ راحت؟

- هيك عم بيقولوا. طبّق البيت عليهُن.

- شو هالإجرام؟ يا حرام!

- ولك حرام عهالصبي. مين بدّو يقيمو؟

- الله يساعد...

        استيقظت القرية الجنوبية الهادئة في ساعة متأخرة من الليل على دويّ قصفٍ جائر عكّر سكون الليل، وراح يُهاجم المنازل بشكلٍ عشوائيّ. وما هي إلاّ ساعات قليلة، حتى أشرقت الشمس بغصّة على بيوت مدمّرة، ودخان متصاعد وقطعٍ متطايرة: دمارٌ وخرابٌ وبعثرة في كل مكان. وكحصيلة للفاجعة: بضع إصاباتٍ بسيطة، وجروح طفيفة؛ ما عدا عائلة واحدة من القرية، فتكت بها قنبلةٌ متوحّشة مدمرةً المنزل، والكلّ نيامٌ. ويا للمصيبة! توفّي الوالدان وابنهما البكر وطفلتهما الصغيرة، ولم ينجُ سوى الابن الأوسط، سامر.

        سامر في الثامنة من العمر، لم يعش طفولته كجميع أطفال لبنان في. حُرم من اللعب في الساحات والركض في الحقول، خوفاً من قنبلة مجنونةٍ. هو من الأطفال الذين أغمضوا عيونـهم على دويٍّ وصراخٍ، وفي قلوبهم خوفٌ وذعرٌ مستمران. وها هو الآن قد فقد السقف الذي أمّن له ولو جزءاً من الحماية المفقودة. خسر ذلك الكنف الذي ترعرع فيه،  وهذين الوالدين الذين لطالما خافا عليه، وحاولا أن يحميا وإخوته من ظلم الحياة وإجرام البشر. يا للمصيبة التي ألمّت به! من سيرعاه ويردّ إليه بعضًا من الطمأنينة بعد اليوم؟

        أشفق أهل القرية كلّهم على هذا الطفل البريء، وهبّوا لمساعدته. فأصبح ينتقل من منزل إلى آخر، ومن عائلة إلى أخرى.

        انقضت ثلاث سنوات على هذه الحال، ازداد فيها وعي سامر، وتضاعف معها حزنه ويأسه. لم يكن قادرًا على استيعاب ما ألمّ به أحزنه هذا القَدَرُ الذي رسمته له الحياة. وَلَكَمْ نام باكيًا، شاعرًا بأنّه عالة على أناسٍ غرباء. ولَكَم تمنّى لو أن القصف أصابه ومات يومها مع أهله.

        وعادت الحياة وغضبت عليه من جديد، إذ تجدّد القصف على القرية، وازدادت وطأة الحرب، فتهجّر معظم أهاليها، وهربوا بحثاً عن الأمان. ونُقِلَ سامر إلى دير في قرية مجاورة، حيث راح يساعد الرهبان ويعمل في الزراعة في أراضي الدير. أحبّه الجميع لِما تميّز به من حسن أخلاقٍ، وعنفوانٍ وهمّةٍ قويّة. وما إن عاد الأمل يرتسم في روحه حتى تأزّمت الأوضاع بشدّة، وأصبح الخطر يهدّد الجميع، وفي كلّ زمان ومكان. فلم يعد قادراً على المكوث في الدير. وعندئذٍ ساعده أحد الكهنة، وقرّر إرساله إلى الست سعاد، وهي أرملة في الخمسين، فقدتْ زوجها في الحرب ولم يكن لها أولاد، فجعلت منـزلَها مأوى لأولادٍ أصبحوا ضحايا إقتتال الكبار، وكُبِّدوا أكبر الخسائر، وتحمّلوا أفظع العقوبات، على الرغم من كونهم أبرأَ الناس.

        ولَمْلَمَ سامر أشلاءه، وما تبقّى له من ذكريات مشتّتة، ووصل إلى تلك القرية في ضواحي مدينة جبيل.كانت الستّ سعاد بانتظاره أمام المنزل، وحولَها الأولاد، يتوقون إلى رؤية ضيفهم الجديد. وما إن ألقى سامر نظرة عليهم، حتى شعر بقشعريرة تلفحه، وتعيد إليه شعور الحنان الذي لطالما افتقده. أحسّ بأنّ هذا المكان هو الوحيد الذي يمكن أن يعوّض عليه ماضيه الأليم. ولم يخطئ في ذلك، فقد لقي في منزل الستّ سعاد أفضل المعاملة. تعرّف إلى أناس جددٍ من عمره تقريبًا، متساوين معه في ظروف حياتهم الصعبة. أولاد شرّدتـهم الحرب، وأفقدتـهم أغلى ما لديهم في الدنيا، لتعودَ وتَجمعهم تحت سقف منزل إمرأة فاضلة. أحبّ سامر هؤلاء الأولاد بشدّة، وهم تعلّقوا به واحترموه جدًّا. وقد نال بسرعة كبيرة ثقة مالكة المنزل وتقديرها، ثمّ أُدخِلَ مدرسة القرية، وتميّز بشدةٍ، وكان أكثر الطلاّب اجتهادًا.

        وتزايد عدد الأولاد في منزل الستّ سعاد، ومعظمهم أطفالٌ دون العاشرة من العمر، فلمْ تَعُد المرأة قادرة على تحمُّل التكاليف الباهظة، ولم تستطع أن تخفي قلقها الشديد عن ذاك الشاب الواعي، فاحتار كيف عساه يساعدها. عندئذٍ بحث في الجوار عن عملٍ، لكنّ صِغَرَ سنّه لم يكنْ يسمح له بتأدية أعمالٍ قاسية، فَحَظِيَ بعد عناءٍ بدوامٍ ليليّ في أحد أفران المدينة. وقد عارضت الست سعاد بشدّةٍ عمل سامر، خوفاً من أن يقضي على مستقبله. إلا أنّه وعدها بأن يتابع تحصيله العلميّ. فأصبح يدرس نَهاراً ويعمل ليلاً في توضيب الخبز. وكما في كلّ مكان، حظِي سامر بتقدير أبي ماجد، صاحب الفرن، الذي ضاعف راتبه نتيجة عمله المجتهد.

        بيد أنّ الحرب لم تنته، ولم تخمد نيران المعارك، بل ازدادت اشتعالاً وتوسّعًا، حتّى التهمت لبنان كلّه. وعادت وحشيّة الحرب لتنقضّ على هذا الصبيّ الطموح، وتهدم كل ما بناه من أملٍ. فأقفلت كلّ المدارس، وتوقّف فرن أبي ماجد عن العمل، وازدادت الأعباء على الستّ سعاد. لم تكن تجرؤ على إغلاق منـزلها، ورمي كل أولئك المساكين في الشارع. كيف عساها أن تُخرّب كلّ ما عملت طوال سنين على بنائه؟ لم تستطع أيّة جمعيّة أن تمدّ لها يد العون، فأصبح الوضع لا يُحتمل. عندها قرّرت توزيع الأولاد على جمعيّات في فرنسا. وكان من الضرورة رحيل سامر عن لبنان. شعر بغصّة عميقة، فقد أحسّ أنّه يترك هذا البلد الضعيف المنهار في أيدي سفّاحين وحوش، يقتتلون على مصالح شخصيّة، ولأفكار تافهة. وعلى الرغم من كلّ ما عاناه من عذابٍ في طفولته وحياته، كان واثقًا من أنّ ما ألَمّ به لا يساوي نقطةً في بحر مصائب وطنه. ولكنّه رحل إلى فرنسا قاطعًا وعدًا بأن يعود إليه منتصرًا، ويعمل بكلّ ما أوتي له من قوّة على إعادة إحياء لبنان الحلم والسلام والأمل.

        عند الوصول إلى باريس، ساعد سامر الستّ سعاد في البحث عن الجمعيّات. وتعاون معهم الفرنسيون بقوّة، وتعاطفوا مع الأطفال، ضحايا الحرب اللبنانية الضارية، التي وصلت أصداؤها إلى كلّ أصقاع العالَم. استغرقت العمليّة بضعة أسابيع، حتى وجد كلّ الأطفال مأوى لهم.

        انتسبت الستّ سعاد إلى إحدى الجمعيّات الخيريّة هناك، وباتت مُرشدةً اجتماعيّة ناجحة ومرموقة، وعملت على إحضار المزيد من الأطفال الأيتام اللبنانيين إلى فرنسا.

        أمّا سامر، فقد دخل مدرسة داخليّة، تابع فيها تحصيله العلميّ، فيما كان يعمل في الصيف في قطاف العنب، ولطالما كان يتردّد لزيارة الستّ سعاد والأولاد اللبنانيين هناك. ثم حصل على منحة دراسيّة في جامعة تولوز، وعمل بكدّ حتى تخرّج طبيبًا لامعًا، وانتقل بعد ذلك مع إرساليّة فرنسيّة طبّيّة إلى إحدى الدول الأفريقية الأشدّ فقرًا وتعاسة، حيث عمل مع زملائه في الإرساليّة على تحسين أوضاع السكان. وما إن مرّت بضع سنواتٍ حتّى اشتعلت الحرب الأهليّة في البلد، على إثر إنقلاب على السلطة، فتدمّرت بيوت الشعب البسيطة، وأصبحوا مشردين في الطرقات، لا مأوى لهم ولا طعام. فحاولت الإرساليّات الأجنبيّة مساعدتهم، بانيةً لهم خيامًا في تجمّعات آمنة، ومؤمّنة لهم الطعام. لكنّ الأمراض تكاثرت، وازداد نشاط الأطباء لمعالجتها.

        ولمّا دخل سامر المجمّع، لم يجد نفسه إلاّ بين ضحايا بريئة لغضب القدر وقسوته، فتسمّر في مكانه. واشتعلت فجأة فيه نزعةٌ أعادته إلى الماضي، إلى زمنٍ اعتقد أنه نسيه، وانطوت صفحاته من ذاكرته. وها هي الآن تعود لتنفتح أمام أعينه. هي صفحات مملوءة بالظلم والحقد، ملوّثة بدماء أبرياء، رسمت فيها ملامح العنف وسفك الدماء.

        ما أغرب الصدف! وكأنّ حياته كُتب لها أن تكون حافلةً بأحداث حروب، وكأنه خُلِقَ ليشهد اقتتال البشر! ولكنّ الحال مختلفة الآن. فلم يعد ذاك الإنسان الضعيف الذي عانى من قسوة الحرب، والذي كان يحتاج إلى من يحميه، بل أصبح ذاك الطائر القويّ الذي جاء دوره ليحضن فراخًا صغيرة تحت جناحيه، فراخًا مثله تمامًا، بل أضعف. وكيف عساه ألاّ يساعدها؟ كيف له أن يتجاهل ما تراه عيناه؟

        وما هي إلا لحظاتٌ حتّى تحمّس، وأسرع  إلى مساعدة المصابين. راح يطبّب جراحهم ويواسيهم ويسألهم عن أحوالهم. وقرابة الظهر، سمع الموجودون صراخًا وعويلاً تطلقهما امرأة تركض نحو المجمّع، حاملةً ولدًا صغيرًا بين ذراعيها. فاستفهم الأطباء عن الموضوع، فإذا بها تطلب النجدة لإنقاذ ابنها، وقد أصابته رصاصة. فما كان من سامر إلاّ أن هرع نحوها، وانتشل الصبيّ من يديها، ووضعه على طاولةٍ خاصّة في خيمة الإسعاف. استغرقت العمليّة أقلّ من ساعة، انتزع فيها سامر الرصاصة من جسم الطفل، وقد أصابته مباشرة فوق قلبه.

        وبعد إنتهاء العمليّة الطارئة، خرج سامر لطمأنة الوالدة. ويا لحالها المروّعة! بدت بحالٍ تعيسةٍ جدًّا، ولم تكن قادرة أن تفهم ما يتكلّمه الطبيب. وإذا بأحد الموجودين يشرح لها بلغتها،  فتبدّلت ملامحها فجأة، وارتمت على رجلي سامر وراحت تقبّلهما.

انتاب سامر عندئذٍ شعورٌ غريب بالخجل، فانحنى وأمسك المرأة ورفعها عن الأرض. كان ذلك النهار حافلاً بالنسبة إلى سامر. هذه الأحداث كلّها أيقظت فيه ذكريات نائمة منذ زمن غير بعيد. وتذكّر فجأة الوعد الذي قطعه على وطنه: وَعْدَ الرجوع والعودة. فراح يتخبّط في داخله. ما حلّ بلبنان، يا ترى؟

        هل انتهت تلك الحرب المتوحّشة؟ هل هدأت الأوضاع؟ هل ارتاح الشعب اللبنانيّ؟ أم ما زالت الدماء تُسفك؟ وتساءل في نفسه، كيف عسى لكل تلك الأسئلة أن تغيب عن باله طيلة تلك المدة؟ لكن الأوان لم يفتْ.

        وفي صباح 11 حزيران 1999، حطّت طائرة قادمة من أفريقيا، تحمل على متنها شابًّا طموحًا، بدأت حياته بالعذاب، لكنّه لم يفقد الأمل، وظلّ واثقًا من أنّ بقعة ضوءٍ ستنقشع في النهاية، وسيتجدّد الأمل بعودة لبنان، بلد السلام والحبّ والطموح والتعاون والجمال.

سيدة البلمند
الجائزة الثالثة – 2004/ 2005

«تــجــاوز»
مجلة إلكترونيَّة شهريَّة
أدبيَّة ثقافيَّة
تصدر عن جمعيَّة «تجاوز»، وتنشر إلكترونيًّا وحصريًّا عبر موقعنا:
Sky of LEBANON.com

العدد الرابع
أيلول (سبتمبر) 2006

 

تجاوز الناشئة

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2006