|
ولدْتُ
بسهولةٍ تامّةٍ
من
غير
أيّةِ
متاعب في الولادة، فأنا مصنوعةٌ من موادّ
بسيطةٍ،
رخيصةٍ،
وأظنّ
أنّ
الذي صنعني لن يتذكّر
حتّى وجودي على هذه الأرض، فأنا لا أعني له شيئًا،
بين الآلاف من أمثالي الذين يصنعهم يوميًّا...
ولدْتُ
ووُضِعْتُ
في علبةٍ ضيّقةٍ،
صغيرةٍ،
ثمّ نُقلْتُ
إلى متجرٍ بسيطٍ من متاجر ضواحي بيروت الجنوبيّة،
حيث لا يتعدّى
سعر القطعة العشرين
ألف ليرة...
رأيت الكثير من الوجوه
على الرغم
من
عمري الصغير.
لمحتُ العديد من تعابير الوجوه الحزينة،
والكئيبة،
البسيطة...
ولكنّني
لم أرَ سوى عيون الأطفال،
تلمع بفرحٍ وحماسٍ كبيرين... عيون الأطفال الذين يلمحون عمق الحقيقة في
هذه الحياة؟
أقع في هذه العلبة بين الورقة التي تحمل رقم أربعة من فئة
الديناري،
والتي تحمل الرقم ستّة
من الفئة نفسها.
فنحن مُرتّبون بالتدرج
بحسب
أهمية كلّ
بطاقة
وسلطتها، من الأضعف إلى
الأقوى. «السباتي»
فـ«البستوني»
فـ«الديناري».
وأخيرًا
الأعلى:
«القلب»... آه كم هو متسلّط وقويّ هذا القلب، وبخاصّة
«القصّ»،
ملك الملوك!
أمّا
أنا؟... كم أنّ موقعي بسيطٌ ومتواضعٌ.
فأنا لا آكل سوى ثلاث بطاقاتٍ بشكلٍ عامّ.
ولكن،
طبعًا،
من أسهل الأمور أكلي،
فأنا في أسفل الهرم!
يا إلهي!
كم
من الصعب
أن تكون من عداد أوراق
اللعب،
«الشدّة»!
فإذا ولدْتَ
ضعيفًا
تبقى على حالك طول حياتك.
فنحن وا
أسفاه في عالَم
مقسّمٍ طبقاتٍ،
في عالمٍ يكبّلك بحديد ثقيل،
يهلك يديك وقلبك وعقلك.
حتّى
إنّ
هذا المرض يصيب روحك،
فيدبّ
الملل فيها.
مللٌ من هذه الحياة.
مللٌ من هذا الظلم.
مللٌ من الخوف الدائم في عينيك! فنحن محكومون من قبل طبقة واحدة مطلقة:
طبقة القلوب الحمراء الدامية!
من أعزّ
أصدقائي ورقة الأربعة من الديناري،
التي هي أضعف منّي بدرجة واحدة.
درجة غيّرت حياتنا إلى الأبد.
حفرت بيننا حفرةً لن تخفيها سوى يد قويّة ثائرة! وصديقي الثاني،
والذي رافقني منذ الطفولة،
فقد صُنِعنا في الساعة
نفسها،
من قبل الرجل
نفسه،
الخمسة من فئة
«القلب»... علاقتي بـ«قلب»
غريبة.
أليس كذلك؟
فعلى الرغم
من الاختلاف
في
الطبقة،
ما زلنا أعزّ الأصدقاء.
ونحاول الآن وعلى
الرغم
من
بُعدنا عن بعضٍ،
في هذه العلبة،
أن نبقى على
اتصال،
حتّى لا ينكسر هذا الخيط الذي صمد أمام العواصف والأعاصير الجليديّة،
القاتلة.
حتى لا ينطفئ هذا النور الذي يُضيء وجهينا،
والذي ينير قلبينا...
متى سنخرج من هذا المكان
الضيّق؟
بين أيدي من سنقع؟ من سيتحكّم بالحروب التي سيشعلها بيننا؟ أمصيرنا أن
نبقى لعبًا
بين أيدي غرباء،
عمالقة؟ أسئلة وأسئلة تسيطر على فكري،
وتحبس في دوامة التساؤلات والأجوبة الضائعة!...
أسيشترينا بعض الطّلاب،
يتسلّون
بنا في أوقات فراغهم،
بعد ساعاتٍ من الدرس العميق؟
أم ستجدنا سيّدةٌ
تلعب بنا مع صديقاتها
في
خلال صبحياتهنّ
العديدة،
أو
عندما
يكون زوجها غائبًا؟
أو حتى ستبتاعني إحدى البصّارات التي قد ترى من خلالي كارثةً
طبيعيّةً تدمّر
هذه الأرض وما عليها من كائنات؟
قد تقولون
إنّني
متشائمة... ربّما...
ولكن،
كيف أكون غير ذلك،
وأنا مُجبرة أن آكل صديقتي
«أربعة»
-
كما ناديتها في أوّل
مرّة التقيت بها
-
لأنّها
تقلّ أهميّة عني؟
كيف أكون غير ذلك،
وأنا محرومة من أن أبوح بحبّي
«لقلب»،
لسببٍ سطحيٍّ
وسخيفٍ، كاختلافنا
من حيث الطبقات والدم،
والمبادئ والأفكار؟
كيف أكون غير ذلك وكلّ
ما حولي أسود من
غير
أيّة
بقعةٍ بيضاء،
أو حتّى
من اللون الرماديّ؟
آه!
متى سيتغيّر هذا الحال؟
ومن سيغيّره؟ متى ستقع صاعقة الحرّيّة
والحقيقة على رؤوسنا؟
وفي يومٍ من أيّام
فصل الصيف الأولى، بعد أن أقفلت المدارس أبوابها، دَخلتْ مجموعة من
الأطفال الذين لا تزيد أعمارهم عن العشر سنوات، عند حوالي الساعة
الثانية ظهرًا...
وقت مخصّص لقيلولة أبي جهاد،
صاحب المتجر... رنّ جرس الباب عند دخولهم، واستفاق أبو جهاد بانزعاج
واضحٍ من هؤلاء المتطفّلين.
«نريد علبة ورق شدّة، يا أبا جهاد!»،
قال
واحد
يبدو أكبرهم سنًّا
،
بصوت مهذّب.
«وكم
ستدفع يا سعيد؟ لدي نوعان مختلفان، الأول بألف ليرة لبنانيّة،
أمّا
الثاني فبخمسة
آلاف ليرة لبنانية، أيًّا
منهما تريد؟،
«الأرخص طبعاً!»
واقترب أبو جهاد من الرفّ الذي وضعنا عليه.
وها هي يده تلتقط علبتنا وتضعنا في كيس أسود صغير!
نحن الأرخص
في
فئاتنا.
لسنا مصنوعين من البلاستيك المتين، المُصنّع
خارجًا
،
أو من الكرتون السميك.
بل نحن من أرخص أنواع الكرتون الضعيف،
الذي لا يزيد عمره عن شهرين،
في أحسن الحالات.
طال مشوارنا في هذا العالَم
الأسود حوالي النصف ساعة،
تعرفنا
في
خلالها
إلى
أصحابنا الصغار الستّة
من خلال حوارهم: الأكبرُ،
سعيد، يبلغ من العمر عشر سنوات،
ويليه وسام وعماد في
التاسعة.
ثمّ
رندة،
أخت سعيد،
وتصغره بسنتين،
كما صديقتها عليا.
وأخيرًا،
الأصغر،
كمال الذي لا يزيد عمره عن السنوات
الستّ:
_
«ماذا
سنلعب»؟
سأل كمال ببراءة.
_
«مهما
لعبنا فلن
تكون أنت ضمن اللعبة.
أليس كذلك يا سعيد؟» قرّر
عماد بنبرةٍ متسلّطة.
_
«من
قال إنّه
لن يلعب؟ لا أنتَ ولا غيركَ يقرّر
ذلك»
ردّت
رندة بغضب.
وصل الجميع إلى سهلٍ واسع،
فسيحٍ، وجلسوا تحت شجرةِ زيتونٍ،
يبدو أنّها
بمنـزلة
مركزِ
تجمّعٍ
لهم...
_
«فلنلعب
الأربعمائة!»
اقترح وسام بحماسٍ واضح...
«آه!
لا» -
قلت في
نفسي -
هي اللعبة الأكثر ظلمًا وقساوةً لذوي الدرجات المنخفضة مثلي، ففيها يتجلّى
غياب العدالة في مجتمعنا الورقيّ
الصغير! ففي هذه اللعبة،
وفي العديد غيرها، يغيب حضوري عن وجه هذه الأرض.
فأنا لست سوى الرقم خمسة... ولكن مصير زميلتي الاثنين
«السباتي» أقسى
من مصيري.
فهي تكون الأضعف والأوهى في كلّ
اللعب التي يلعبها الناس!
_
«ما
رأيكم في
أن
نخترع لعبةً بأنفسنا؟»
تساءَلَتْ عليا بشيء من الخجل.
_
«كيف
نخترع لعبة؟» اسْتفهَمَ
سعيد.
_
«نعم... نعم...
أحب ذلك!»
وافق عماد.
_
«ما
رأيكم في
أن
نخترع لعبة «مختلفة» عن كلّ
اللعب؟»
اقترحت رندة.
_
«كيف؟»
ردَّ الجميع.
_
«كلّ
اللعب مبنيّة
على أساس أن «تأكل» ورقة ورقةً أخرى.
ما رأيكم في
أن
تكون لعبتنا مبنيّة
على التساوي بين كلّ
الأوراق!»
وبدأ الأولاد
يلعبون
لعبتهم الغريبة!
آه!
ها هي الصرخة التي كنت أنتظرها! ها هي الصاعقة التي كنت أطلب نجدتها حتّى
تدمّر
هذا المجتمع وأُسس بنائه الخاطئة! وأخيرًا،
تغيّرت أسُسنا، وللمرّة الأولى سنحت لي الفرصة
بأن
أكون متساوية مع
«القص»
و«القلب»،
سنحت لي الفرصة بأن
أكون بجانب «قلب» من
غير
أيّة
عوائقٍ بيننا! بات بإمكاننا مخاطبة
«أربعة» دون فرق بالقوى!... وفجأة،
في هذا الطقس الصيفيّ
بامتياز، هبّت ريحُ قويّة
حملتنا إلى الأعالي، ريحٌ أجبرت الأولاد على الإمساك ببعضهم كي
لا
يقعوا،
ريحٌ
جرّدتنا،
وفكّت عنّا قيد السلطة الخارجيّة،
فلن يتحكّم بنا أحدٌ
بعد الآن...
كانت اليد القويّة
التي ستغيِّر مصيرنا، يد الأطفال، يد الجيل الجديد، إرادة عقول لم
تتفتح بعد، إرادة قلوبٍ لم تنبض بكلّ
قوتها بعد، عقول تنتظر الوقت المناسب لتُخرِجَ ما لديها من إبداعات
وأفكار متطوّرة!
ها أنا هنا الآن في الأعالي،
قرب «قلب»،
ننتظر أن نحطّ
على أرضٍ خضراء،
تؤمّن
لنا الأمل بالمستقبل، الأمل بالحياة، الأمل بأنفسنا وبقدراتنا.
تؤمّن
لنا هذا الأمل الذي كان غائبًا
تحت الضغوط الداخلية، ضغوط الأفكار القديمة البدائيّة،
ضغوط الجهل والتمييز وكلّ
ما يشكّل عفن عقل الإنسان،
وصدأ حديد المجتمع، كلّ
ما يشكل السواد الحالك والأحمر الدامي في أعين الناس وعقولهم...
وأخيرًا،
تحرّرنا
من سجننا الداخليّ،
ومن سجننا الخارجيّ... في مجتمعنا الورقيّ
الصغير... فمتى سيأتي دور مجتمع الإنسان الواسع؟
انترنشيونال كولدج
الجائزة الأولى – 2004 / 2005 |