Tajawoz E-Magazine, November 2006 - Issue 05

 

العودة إلى الفهرس
الصفحة الرئيسيَّة

 

العودة إلى الموقع

 

 Sky Main Page »

أبو العلاء المعري جالسًا في حديقة الموت
(أدونيس)


I
– طفولة

          1

كانت طفولتي صداقة بين عكّازين والطريق،

وكان الظلام ذاكرة لخطواتي.

منذ ذلك الوقت جمعتُ بين الكلمة والفضاء،

ومزجتُ بين وجهيهما،

عرفتُ كذلك أنّ الموتَ بستاني الوحيد.

          2

لم أكن أسير لاتريّض، بل لأستفسر. كانت تواكبني موسيقى آتية من شجر يعرّف عليه الهواء، وكنتُ كلّما تقدّمتُ اشعر كأنّني أسقط في أشراك أودّ أن أبقى فيها.

          3

حين كنتُ أخرج مستندًا إلى عكّازتي، كنتُ  أثق أنّ الشمسَ تنتظر في مكان ما، وأنّ القمر حين يصير فوق بيتي سيسلكُ الطريقَ الاقربَ إلى خطواتي.

لذلك لم يكن يهمّني أين تذهب الريح.

 

II – أيام

          1

* ماذا غيّرتَ أيّها الورق المسمّى تاريخًا؟

- العددَ، وربّما شيئًا في بقع السطح.

* ماذا اخترتَ، أيّها السلَف؟

- ما أعطيَ لي/ أن أنحنيَ وأتّخذَ سيّدًا.

* تحتَ أيّة مظلّة؟

- سمِّها ابتسامةَ العيد.

                يا لهذه الحركة الفاسدة،

                كأنّها إنسان راربع ارجل!

          2

هوذا الفضاء، مشدود بسلاسل الليل،

وها هي الحباحب تنصب في الظلمات عرشها المتلألئ.

          3

كلّ مساء تتحوّل السماء إلى خيمة للورد،

كلَّ صباحٍ يتحول الورد إلى عيون ملأى بالدمع.

          4

قُلِ: المكانُ وحشة.

قلِ: المرض أقحوان والجسد سلّة قطاف.

قلِ: الكونُ صلصال والإنسان مشروعُ إنسان.

          5

الرعدُ قاعد والحجر يأخذ كرسيّ الملك.

وها هو النهار يقتل الفراشات،

والنمل يتقاسم الكوكب.

          6

يا لَلمحارب!

يدبر بعجز المرأة، ويرفع بخرقة حاجبيه.

يا لَلمحارب!

نصبَ الخيمةَ وأقسم:

        «لن أفرّ حتى تفرّ الخيمةّ»

          7

لا بالشمس أثق، لا بالقمر.

وليست النجوم وسائدَ أو أحلامًا، -

        أثق بالموج يتمدّد على البحر

        بالأرض تغيّر اديمها.

أثق بالرماد، -

        حيث الشجر ذعرٌ

        والحجر دخان

        والوهن يرفرف على الأرض.

          8

لا الحبّ استحوَذَ على أحشائي،

لا الصداقة استنفدتني، -

        اختزِني حنيني يا عزلة الحجر،

        احتفظْ ببريقي يا وميض الجوهرة.

          9

عجبًا لهذا الزمن – هذا القميص البخاريّ!

عجبًا لهذه السماء/

كأنّها سقفٌ تسنده رؤوس الحراب.

          10

الغبار يتوسّد هذا الزمن،

والتاريخ فقّاعو في بحيرة الدم.

 

II – شيخوخة

          1

لستُ أنا الحائر، بل الكوكب الذي أقيم فيه.

تَمَفْصَلْتُ مع اللاشيء، لكي أتَمَحْوَرَ معَ الكلّ.

          3

ليسَ لكَ أيّها الظامئ إلا أن تزادا ظمأ،

وأن ترى إلى الماء كيف يبتعد عنك.

          4

كم أنتَ ملعون يا مَن يرفض الشرّ،

وما أكثر خطاياكَ أيّها المُحِبّ.

          5

منذ أن جرؤتُ على القول:

        الماء والنار شيء واحد،

بدأت أشعر أنّ التراب حولي يتطاير من الفرح، خفيفًا كالهواء.

          6

دائمًا،

يولد الفرح شيخًا، ويموت طفلاً.

          7

ما أسعدَني:

جسدي النسيانُ وكلماتي الذاكرة.

          8

يا لَلغابة التي يُقتَل فيها باحتفال واحد:

        الحمَل والذئب،

        اليَمامة والعقرب.

          9

الدنيا جرّة، والكلام قبوُها الخَرِب.

          10

لا أدهَش للرجل،

        ينبت كأنّه الطحلب،

        ويتفتّت كأنّه الفطر.

لا أدهَش للطفل

        يعلو سارية

        وسرعانَ ما يتحوّل إلى خرقة.

لا أدهَش للقتيل،

        يتتلمذ على القاتل.

          11

إنّها الكآبة،

تجلس في بيتها وتعتزل الناسَ،

لم تعد تلمح وجهًا يليق بتقاطيعها.

          12

إنّها ساعة الأرق الذي يحكم الارض، -

        الدم يتخثّر،

والعذاب رائحة الوقت.

          13

أرى إلى العدم يهزّ أغصانَه،

إلى المدن يطويها الملح وينشرها الخبز،

إلى الأموات يرَبّون كالأطفال/

أجلسُ الآن في حديقة الموت.

          14

أيّها الموت الأصدقُ لي من لساني،

الألطَفُ بي من جسدي،

لمَن أنتسب؟

وكيفَ أكتسب هيئةً جديدة وأختلج

بحركات أخرى؟

آهٍ، أيّها المزاج البائر!

آهٍ، يا عجزَ الفطرة!

 

IV – كتابة

          1

كسر الخريف جرارَه وتوقفت ساعة الشتاء،

وثمّة شظايا من الربيع تجرّها عربة الصيف.

          2

ليس الباقي هو الجميل،

ما يموت، هو وحده، الجميل.

          3

بين فجر يطلع بوجه جرادة،

ومساء يهبط بعيني وطواط، -

        أحزانهم جارية على الورق،

        وأحزاني جارية مع الينابيع.

          4

مَن يسوس هذا الغبارَ؟ من يمزج العين بالقشّ؟

                شكَكتُ في...

                ظننتُ أنّ...

ألأنّي الأكثر علمًا صرتُ الأكثرَ تحيُّرًا؟

          5

سأبتسم وأسال الرقاد: أتطنّ حقًّا أنّ تحتكَ النار؟

          6

ما شأنُكَ أيّها الرمادُ، ما نواياك؟

هل هل ستلقّف الأوراق المتساقطةَ، وتصنعُ منها غاباتٍ أخرى؟

هل ستدخل في رقص آخر

        وأيّة حكمة تقودُكَ أيّها الشيخ؟

          7

لن أغنيكَ، أيّها الورد.

سأغنّي الشوكَ الذي يسألك:

هل أنتَ واثق أنّكَ الورد حقًّا؟

          8

مِن أينَ لكِ أيّتها السنبلة أن ترفضي المسيرة الطويلة لحبّة القمح؟

          9

أيّها الموت،

أنت مجدُ الحياة الوحيد،

لأنّك المجد الذي لا يكتمل.

          10

ربح طيّبة، قمر دافئ/ الوجه شاحب وبارد.

ماء دافق، سماء صافية/ القلب أسود وقاسٍ.

زهر فاتن، ارض كريمة/ الجسد بخيل ويشبه الجثّة.

الفضاء ضاحك والحجر ينطق/

        أيّها الإنسان، هل أنت وحدك الضيّقُ، المعتمُ، الأخرس؟

          11

«ما أقلّ العالم، وأقلّني فيه!»

          12

«تخبو النار، ولو هجم لهبها على النجوم».

          13

«بمنْ أثق، ونفسي الغادرة الخؤونُ؟»

          14

«كأنّ كلامي سفير الريح...»

          15

«الجسد خرقة

وخيرٌ له أن يُخاطَ إلى الارض».

          16

لنقل: ماضيًا كنتُ أعمى

لكنّني، الآن، مستقبَل.

وأظنَ أنّني أستطيع أن أقرأ

اٌلدروبَ والمياه،

الأشجارَ والحقول.

أستطيع، خصوصًا، أن أقرأ الناس.

إشارة: أرقام 11 – 14 في المقطع الأخير كلمات لأبي العلاء من كتابه «الفصول والغايات». والرقم 15 صيغة أخرى لقوله:

جسدي خرقةٌ تُخاطُ إلى الأرْ               ضِ، فيا خائطَ العَوالمِ خِطْني.

أدونيس
(النهار العربي والدولي – الاثنين 11 كانون الأول 1978)

«تــجــاوز»
مجلة إلكترونيَّة شهريَّة
أدبيَّة ثقافيَّة
تصدر عن جمعيَّة «تجاوز»، وتنشر إلكترونيًّا وحصريًّا عبر موقعنا:
Sky of LEBANON.com

العدد الخامس
تشرين الثاني (نوفمبر) 2006
 

 

مختارات
باللغة العربية

 

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2006