|
تعجز الإنسانيّة
في مطلع الألفيّة الثالثة عن معالجة أمراضها المزمنة، والتغلّب على
ضعفها، ومكافحة الظلم والاستبداد
والفقر والجوع والمرض،
لأنّها لم تستطع يومًا التوحّد تحت شعار واحد: العدالة في العالم.
لذا ظهرت عبر العصور أنظمة
كثيرة متطرّفة في بعض الأحيان، كالشيوعيّة الداعية
إلى المساواة.
ونشأت مؤسسات كعصبة الأمم لإحلال السلام ومكافحة الحرب.
ولسوء الحظ،
فَشِلَتْ هذه السياسات في أهدافها، وما زال العالم يعاني.
ما هي أخطاء الإنسانية؟ وكيف سَتُصَحّح؟
كيف نكافِح؟ بالكتابة؟ فهي سلاح قويّ، فعّال.
إليكم أقصوصة تُظهِر أحد أوجه أخطاء الإنسانيّة،
مستوحاة من الواقع المرير.
في زمن ما بين الحربين، وتحديدًا قبل الحرب العالميّة الثانية، نشأت في العالم أنظمة
توتاليتاريّة،
وخصوصًا في
أوربا، وأبرزها النازيّة في ألمانيا. كان هذا النظام يرتكز على العنصرية الشديدة، لأنّ مؤسّسه
هتلر، كان يؤمن بسموّ العرق الآري –
الجرماني، وتفوّقه على باقي الشعوب، خصوصًا
على العرق الساميّ،
الذي صنّفه هتلر في طليعة أعدائه لتخليص ألمانيا من
«سوسة» الساميّين. ابتكر النظام سياسة قاطعة، تبلوَرَت خصوصًا في مخيّمات الاعتقال،
حيث تمّ تطبيق أبشع أنواع العنف.
في شتاء 1936 كان البرد قارسًا في العاصمة الألمانية
«برلين»، وكانت المليشيات التابعة للحزب النازيّ تقبض
على اليهود وتأخذهم إلى المخيّمات،
«للتمتّع» بسجنهم وجلدهم،
وتعذيبهم وقتلهم في نهاية المسار. ألبرت شانر كان يهوديًّا حصل على الجنسية الألمانية، بعد أن كرّس عشرين عامًا من حياته في تعليم طلاّب كلّية العلوم في
«برلين».
فقد
ألبرت
جنسيته بناءً على أمرٍ صادر عن هتلر،
وتمّ القبض عليه في الحادي والعشرين من كانون الأول، واقتيدَ إلى المعتقلات، حيث حُكِمَ عليه بالأعمال الشاقّة.
ألبرت عالِم
في مادّة الفيزياء، لا تفارقه الأقلام والأوراق.
تَبِعتْهُ إلى سجنه، رافقت عذابه،
وانحنت تقديرًا
لآلامه. أبْقته حيًّا، وسهرت معه في ليالي القهر اللامتناهية. كتب ليحيا، لأنّه
شبع من الموت.
وبعد تسعة أشهر، مات تحت وقع ضربات الحديد.
أحد الجنود النازيّين الذين ساهموا
في قتله، وجد دفاتره وأوراقه،
وأخذها إلى منـزله
ليقرأها:
«كرّست حياتي لخدمة ألمانيا، لتعليم بنيها وبناتها، لنشر
حقيقة العلم والعالم. كافأتني بتعليمي حقارة الجسد وسموّ الروح.
منذ اليوم الأول الذي اعتُقلتُ فيه، لم أرَ الشمس، لم أعرف النور، لكنّني صرت أبصر في الظلمة...
اليوم الأوّل:
سألني جنديّ إذا كنتُ مستعدًّا لخدمة ألمانيا.
فأجبته: خدمتُ هذا البلد منذ اليوم الأول الذي دخلتُ
فيه إليه، أحببته، فأعطيته أغلى ما عندي، دماغي.
فرفع يده وصفعني، ثمّ رماني أرضًا، وداس وجهي بحذائه الموحِل، وقال لي: فلتذهب إلى الجحيم، حيث تخدم إبليس من خلال دماغك.
وضحكَ...
ضَحِكَ، وظللْتُ قابعًا
في مكاني، لا أستطيع التنفّس.
حبستُ في داخلي دموعي الحارقة، وقرّرت منذ تلك اللحظة أن أقْتُلَ إحساسي المُرهَف، وأدفنه تحت أرض النسيان، حيث لا عودة ولا رجوع، لأنّني علمت منذ اللحظة الأولى أنّني لن أتحمّل العيش هنا إلاّ إذا تخلّيتُ عن
حاجتي إلى العيش...
اليوم الثاني:
2كنت مستلقيًا
على سريرٍ حديديّ في زنزانة مظلمةٍ،
رطبة، عندما دخل عليّ جنديّان.
أمسكاني بيديّ ورجليّ،
ورمياني على جدارٍ تلطّخ بآثار جرائمهما. أوسعاني ضربًا،
وجلداني مرارًا،
حتّى بدا صدري العاري أشبه بثمرة ناضجة، أسقطها نُضجها على التراب الأسمر، وقد سال
«زومها»
الأحمر اللذيذ،
وتغلغل في أعماق الأرض.
في الليل لم أستطع النوم من شدّة الألم الذي شعرت به، وفي
الوقت عينه، لم أستطع البقاء مستيقظًا
من شدّة التعب، كان جسدي يموت....
اليوم الثالث:
استيقظت على وقع أقدام الحرّاس يجوبون الممرّات ذهابًا وإيابًا. ثم أصبحَتِ الأصوات تتلاشى. بعدَتْ، ثمّ عادَت. أردت الوقوف فلم أقدر. لقد كُبّلَت يداي ورجلاي، وشعرتُ بأنّها ملتصقة بالسرير، لا تتحرّك. إنّني أتألّم، أتألّم... لماذا؟
ألأنّني
يهوديّ، ساميّ،
أتيتُ كدخيلٍ على أرض الآريّين
الأحرار. أنا العبدُ وهم الأسياد... أنا أتألّم وهم يفرحون... أنا أخاف وهم يُخيفون... لا، لا...
هذا ليس عادلاً، ليس مُنصِفًا.
اليوم الرابع:
الآن وقد ضاع منّي الوقت، لا أعرف إن كان اليوم الرابع أو الخامس، أو لا أدري.
ربّما ما زلتُ في اليوم الثالث. فإنّ حاضري ضائعٌ. لا أستطيع رؤية الشمس لأستنتج الساعة. والبرد قارسٌ، قارسٌ
و... دَخَلَ جنديّ.
ناداني:
«يا عبد».
وقد ظننتُ أنّ هذه التسمية لا تُطلَق إلاّ على السود.
وقفتُ واقتربتُ
منه. ثمّ قال:
«تعالَ
معي». قلتُ:
«أنا جائعٌ».
قال:
«إذا قبلتَ بشروطنا، تأكل».
قادني إلى رئيسه، فتقدّم منّي هذا الأخير،
وقال:
«أنتَ محظوظٌ؛ لم تَمُتْ بعد. أعرِف أنّك عالم فيزياء. إذا تعاونتَ معي، نجوتَ. سنأخذك إلى مناجم
الفحم، وتضع معلوماتك وخبرتك في خدمة مؤسسة الجيش».
وافقت،
فنقلوني إلى سجنٍ من نوعٍ آخر...
اليوم الثلاثون:
هنا أبرُز مهاراتي في حلّ مشاكل المناجم. هنا سمحوا لي بتشغيل مواهبي وتطوير علمي. أصبحت أعيش من جديد. أتنفّس هواء عتيقًا،
غير صحّي،
تحت الأرض. ولكنّني أتنفسّ. عملتُ،
ولكنّني ما زلتُ أُضْرَب، وما زلتُ أجوع...
اليوم الخمسون:
لا أعرف ماذا يحدث من حولي.
ما زلت لا أرى الشمس،
ولا أشعر بجسدي، كأنّني شبحٌ يزور أرض العذاب، ليعيش من أجل العذاب. ما عدتُ أعرف
هل ما زال مظهري طبيعيًّا؟ فعندما أنظر إلى رجليّ، أدرِك أنّ جسدي
دامٍ،
هزيل، ضعيف... لا أريد العيش هنا. أفضّل الموت...
اليوم
اللامتناهي:
ما عدتُ أعرف
متى
اعتقلوني. الذين
انتقلوا معي ماتوا منذ زمنٍ بعيد. لماذا أنا حيّ؟ لا أريد أن أحيا الموت على الأرض. أفضّل الرقاد الأبديّ. أنا الذي كنتُ أقدّم للعلم
والعمل أهمّ الخدمات، صار الألم والجوع يُقَدّم إليّ موتًا، يومًا
بعد يوم.
فتح الجنديّ
باب سجني البارد، الأسود. رأيت بعيني الوحيدة، لأن الأخرى، لا أعرف متى
فقدتها، ما عادت تملأ مكانها في وجهي،
سيوفًا تلمع، تقترب منّي.
ارتجفت في آخر لحظة من حياتي، وأنا أكتب على هذا
الدفتر العتيق...
لا أعرف ماذا سيحدث
لي. لا أعرف كيف
ستكون نهايتي. الآن هو ينظر إليّ، وأنا لا أريد أن أترك قلمي، لا أريد. لكنّني مرغم. وداعًا
يا أَلَم. وداعًا
أيها العالَم
الظالم...
وداعاً. أنا الآن ذاهب إلى الحياة...»
قرأ الجنديّ هذه المذكّرات مرارًا، حتى حفظها. أصبحت جزءًا من ذاكرته، جزءًا
من حياته.
تغيّرت نظرته إلى الحياة.
أدرك معنى الحياة وجمالها. أدرك أنّ
الحياة هبة من الله، على كلّ إنسان أن يعيشها كما تستحقّ أن تُعاش.
أدرَكَ أنّ
هذه العنصريّة ظالمة.
كم من اليهود الساميّين
يموتون كلّ يوم بلا سبب وجيه!
كم من الجنود يقتلون المئات كلّ
يوم! هذا الظلم... هذا الظلم غير مقبول.
نظر الجنديّ النازيّ إلى السماء قائلاً: يا
«ألبرت»... أعرف أنّك لا تسمعني، لكنّني سأعترف أمام عظمة السماء وهيبة الطبيعة أنّني ظلمتك وعذّبتكَ، وطبّقتُ جميع أساليب العنف معكَ. وأعِدكَ بأنّني
سأتركُ رسالة إلى العالم،
أكتبُ فيها كيف علينا
احترام
الآخرين، المختلفين. كيف علينا أن نرى الفرق ولا
نفرّق.
كيف علينا السجود أمام الله وشكره على جميع نعمه.
إلى العالم رسالتي:
«أيتها الإنسانية الجاهلة، تعالي وانظري إلى أبنائك،
الظالمين منهم والمظلومين.
تعالي وانتشلي
بأيديك السوداء منها والبيضاء، أبناءك.
انتشليهم
من قعر الهاوية التي وقعوا فيها.
أيتها الإنسانية المتعبة، المثقلة بأعباء هذه الحياة.
أدعوكِ إلى التحرّر من قيودك ومعالجة أمراضك. عالجي نفسك بنفسك. علّمي أبناءك كيف يأخذون؟ وكيف يعطون؟
كيف يتغلّبون على ضعفهم،
على فقرهم، على ظلمهم، على العنصريّة
التي
تتحكّم
بعقائدهم؟ يا إخوتي الذين من كلّ
الشعوب:
أيّها الآريّون والساميّون والهنود والبوذيّون واليهود والمسيحيّون
والمسلمون والبيض والسود. يا إخوتي،
أمسكوا
بيديّ،
ولنكوّن دائرةَ سلمٍ دائم، نجد فيها الراحة والهدوء.
ابتعدي أيّتها
الفتنة العمياء عن دائرة
السلم هذه، لنمهِلَ هذه الألفيّة لخلق عالم جديد لا
يعرف إلاّ المحبّة والسلام والتعاون،
ويجهل معنى الانتقام
والظلم والعنصريّة».
إذا
تاب الجندي النازيّ
عن
ذنوبه
وذنوب
النازيّين، فلماذا لا تتوب الشعوب الأخرى عن
ذنوبها؟
من يعرف معنى الحياة يدرك أنّ
كلّ
قصة تُروى عن العنصرية أو عن أيّ
نوع من الظلم، هي دافع لكلّ واحد ليراجع ضميره، ويتوق إلى التكفير عن
ذنوبه. كم من فقير يموت من الجوع، وكم من مسجونٍ يموت من الظلم،
وكم من جائعٍ يذرف دمع عينيه،
وكم من مريضٍ يدفع دمه فداء مرضهّ!
فهل يجدر بالعالم، في صباح الألف الثالث، أن يبقى على حاله؟ أم عليه أن
يبيد كلّ مفهومٍ خاطئ يبعده عن الحقّ؟
مدرسة
الحكمة
- برازيليا
الجائزة الثالثة |