|
- 1 -
أقرأ القصيدة وأقرأ الشاعر، ولا أعول النصّ بإعطائه حياة
مستقلة عن سياق شعر خليل حاوي الكامل. لغيري أن يفكك، ويحلّل في هذا
المعرض، فالناقدة والمتلقّية التي هي أنا دخلتْ منذ زمنٍ في علاقة
جدليّة مع شعره الرائد، أي قبله "كنتُ"، ومعه "تحوّلت"، وبعده "صرتُ"،
والقصيدة في مصيرها زمنُها، مستقبلها، وصيرورتها.
أليس هذا الشاهد البطل الذي أطفأ نفسه ورحل كي يُنقذَ العالم
العربيّ بنقاء الفعل؟
- 2 -
يصل خليل حاوي في هذا النصّ إلى اقتناع رهيب بعدميّة الشهادة.
يتراءى لي أنّ شعره جسرُ عبور بين الجذور وعكسها. لذا وضع
التجربة الحيّةَ معَ طهرها في خيرِ المبدإ الأول.
الشعر هنا، أي "الكلمة"، بمعنى البدء
Logos
تتمظهر ضدّ الياس والقهر والهائل. لذا نجد الخلاص بوساطة الشهادة.
كيف يؤسس شاعر الخلاص والانبعاث الأول الذي تخطّى في قصيدة
"الجسر" العلاقةَ الصداميّة مع الأرض – الحضارة، مع التراث، مع التاريخ
والمجتمع، كيف يؤسس في هذا النشيد لمجانية الشهادة من أجل الأرض التي
تراكَم عليها التاريخ المهزوم؟
انحنى حاوي على هذه الأرض، آمنَ بها غلى حدّ ربط الكلم بالحياة
فِعلَ وجود في حركة دراميّة ذات مضمون هادف للتعبير من الداخل.
إنّ قراءة قصيدةٍ هي، في الأصل، نشيد، أي جسد مفاصله أيقاع
وموسيقى داخلية تستوجب السمعَ، أقصد فنّ الإصغاء، كي يكتشف القارئ مع
المتلقّي تجلياتِ البنى الإيقاعية الخاصة...
تطالعنا في بنية هذا النصّ ثنائيّة تضمن الحركة من خلال
الحوار: الأم والرفيق، الموت والانبعاث، والهلاك والحياة، الثورة
والإحباط، الشهادة ورفض الشهادة.
يبدأ التقاتل من العنوان: الأم – الرفيق. الفاعل هو الضمير،
الأرض، الرفض، رفض الموت. الفعل هو: الرفيق، الرجولة الضاجّة (في البدء
كان الفعل، كما يقول غوته)؛ وهذا النص يوحّدهما كي لا ينفصلا في محاولة
التقاط حركة النص الداخليّة. لكنّه اصطدم بالسؤال، أو بأسئلة لا جواب
لها. بل تقابل في النص تعارض بيانيّ واضح
parallélisme syntaxique:
"أنتِ أمٌّ أنتِ أمُّ للرفاقْ
ولدي ضَيّعتُهُ، ضيّعتُ وَحدي
دُرَّةَ الكونِ..."
تلتقي الأم هنا بالشعر من حيث هو ضمير الأمّة والفاعل والكيان
الحيّ. لذا نجد الخطابين البيانيين يفترقان، كلّ واحد يتحرّك في محوره
الخاصّ، ويصطرعان، ثمّ يغيبان معًا في بحر من الضباب. أين السندباد؟
أين لعازر 1962 الذي عانى الحياةَ موتًا في الحياة:
"ماردٌ عايَنتُهُ
يطلعُ من حيبِ السفير؟"
هكذا ينمو شعر خليل حاوي نموّ النفس: الترداد والتواتر، وهو
سيّد في تحويله إلى إيقاع داخليّ (أيقاع الروح)، لذا أتت كلّ العناصر
مشدودة بالإيقاع، على مستوى آخر هو مستوى الأفعال، فهي تتلاحق من فعل
ماض مبرَم (ضَيّعتُهُ/ ضيّعْتُ وحدي درّةَ الكونِ/ وما يُجدي ويجدي...)
إلى مضارع يوحّد إيقاع التمجيد والتهليل، حيث دينامية تبعدنا عن مواقع
الأفعال الإسقاطيّة الجامدة لتضفي عليها هويات جديدة ووظائف جديدة
ومواقع جديدة:
"ليتَ لي صوتًا يصيحْ
ليسَ عرسًا وعريسًا
ولدي ليسَ المسيحْ
ويدي ليتَ يدي تنبضُ
عنفًا وتزيحْ..."
يبدو النصّ حيًّا نشيطًا في تواتر الأفعال ومقابلاتها
(ضيّعتُ... ضيّعتُ) يكثّف المحتوى: تواتر الحالات النفسيّة من واحدة
إلى أخرى إلى حالة نفسية ثالثة: النشيج (ويدي... ليتَ يدي... وحدي...:
الياءات المتكررة).
- 3 -
كان على خليل حاوي أن يهدم نفسه ويبنيها، أن يكون البطل:
خالقًا ومخلوقًا، وأن يُسكِتَ البومةَ التي تبرز من غروب الحضارات
وانحلالها، كما يقول هيغل، لذا يطالعنا: إيقاع الهلاك (هجوع، سكوت...)،
وإيقاع الانبعاث في الرؤيا الحضارية (العرس، الصبايا، البكارة...)
بعد تصعيد الأفعال وتواري الصور، يأتي النشيج (أنين، حِداء).
وكذلك بعد أفعال الاستلاب والتلاحُق الحركيّ المحكوم بمنطق العلّة
والمعلول وفقَ نظام نَماءٍ خاصّ يرافق حَميّة المعاناة ونشاط التجربة
الواعية واللاواعية، فعلى الرغم من اللواحق النثريّة التي تُعين
الحركة الداخلية المعتمِلة في نفس خليل حاوي تنمو هذه الأخيرة وفق نظام
من التكثيف المتدرّج لأنّها تولد وتنمو وتنطفئ حتى السقوط، كالكائن
والحضارة... من هنا تولد الخيبة والأسى والإفلاس الحضاريّ لتنتهي
بالصرخة – الأنين، أي بالنشيج.
لستُ هنا خارج معرض تفتيت الاسماء والأفعال التي تتواتر،
وتضجّ، وتلهث، ثم تتغير، ولا في معرض درس دينامية الصفات، ولا في معرض
التوقف عند أهمية المدلول (ليس عرسًا وعريسًا/ ولدي ليس المسيح) وصفاته
المنشِّطَة، كما أنّني لستُ في معرض دراسة الحروف في الكلمات وعلائقها،
بل أنتقل سريعًا إلى الصورة.
فالرؤيا مع الخيال والفكر يأتيان بالصورة وكلّ العناصر الشعرةي
مشدودة بالعلائق – المراسلات بين عالمين ماديّ وروحيّ (نظرية الخلق من
عدم).
- 4 -
كتابة خليل حاوي مغامرة مستمرة باتجاه الداخل. كتابة تتعامل مع
الوحدة الكونية. فالصور تتكثّف، تتهادم، تتجاذب، تتفارق، في تبادل
وتراشق عظيمين لترتبط بمفاصل القصيدة، أي في عناصر النشيد، فتولد
الوحدة العضوية كأنّها رحم الحياة في الأصالة. إنّها حياة الخيال لأنّ
عالم خليل حاوي متعارض مع العالم الأفقيّ في غابة مسحورة من الكنايات
والتورية المجنونة: أسرار، روابط خفيّة بين الابيات، أوّلها الذي ضمنَ
الوحدة العضوية، وثانيها الرمز، وهو يدخل في صلب التجربة في الكتابة
الحديثة، أي في استخدام الصور الكلية.
وإذا سلّمنا جدلاً بأنّ الرمز يأتي في ثلاثة انواع: الرمز
اللاهوتي، والرمز الصوفي، والرمز السشعبيّ، رأينا أنّ الصورة الرامزة
(هنا حول المسيح: ولدي ليس المسيح) ورفض الشهادة تعبّر عن العدم
الداخليّ، وعن الأسى الجَماعيّ.
أقرأ الصورة على ثلاثة مستويات:
1 – المستوى الرمزيّ الذي يُلغي الوهم الذي يحيط
بالموضوع المخيًّل، وينقل حاوي من الخاص إلى العام.
2 – انفصال الموضوع عن مَهمّة التغيّر والثورة. وهذا
الانفصال يردّنا غلى درجة صفر، إلى امّحاء.
3 – الذات أو الروح التي تنبض في قلب الشاعر هي الروح
الابدية التي تنبض في الأمّة كلّها.
لذا يطفو البعد الدراميّ على النصّ.
وقوّة هذا النصّ في حركيّته، وفي جدليّته. وقد أضحت هذه القوة
سياقًا مضافًا إلى وجود الأمة مستقبَلاً، وشغفًا
passion،
كما يقول نيتشه.
كلّ هذا يدخل في مدار التحولات، وفي عملية البحث عن وطن حقيقي.
- 5 -
حينَ أقرأ النص قراءة وجوديّة أرصد اللُحمةَ، أي ما يربط بين
الأم والرفاق، لأنّ القصيدة تدور في زمانت ومكان، في حيّز وفضاء. وعلى
الرغم من التباين ظلّت الوحدة بين الأنا والجماعة (الأمّ = الأنا -
الرفاق = الجماعة) جدليّة، لأنّ معضلة الشاعر تكمن في أنّه يحسب نفسه
موضوعًا ذاتًا أمام الجماعة؛ فهو ضمير الأمّة في وعيه ولاوعيه. ففي
مرآة الذات والجماعة، وفي تدفُّق القطرة، خلفيّةٌ تنتمي إلى هذه الارض،
وهذه السماء، وهذا الإنسان في لبنان وفي العالم العربيّ.
هو الأنا والأمّة في آن. هو الجرح والثورة ولا عزاء.
- 6 -
قرأت هذا النشيد قراءة درامية. وأعترف أنّه يؤسّس لعدميّة
الشهادة. إنّه يؤلّفنا جميعًا.
إنّ ارتباط حاوي بالفلسفة والفكر العالمي ربط شعره بالكون
أولاً؛ ولذا جاء هذا الشعر حيّزًا يزعزع هيكل الشعر العامّ بالكلاسيكيّ
على وزنٍ وإيقاع معيّنين. فحين يتقلّص دور البطل - الرفيق إلى دوره
الواقعي، أي الفرديّ، يصبح رمزًا للفداء عندَ الشهادة، والأم تظلّ
أمًّا، لحمًا ودمًا، قلبًا يريد الابن يريد الحياةَ لا الموت. لذا ظلّت
القصيدة في الاشتعال الذي غمر نتاج خليل حول الهويّة وأدى إلى رفض
التعزية (والتعزيةُ الحرّى/ لها في كبدي طعمُ النفاق).
هذا ما يختصر كلَّ الخيبات التي مرّ بها الحلم العربيّ: إجهاض
الثورات، إفلاس الأنظمة، بقاء المجتمع في مستنقع الجمود والأصولية...
كلّها اعتملت في معضلة الذات وتوقها إلى الجماعة في شعر خليل.
شعرٌ قلِق على الأرض والأمة. أراد التجذّرَ في صلب الارض
السيدة فلفظته. قُيِّض له أن يكون ضميرَ هذه الأمة في حمل همومها، في
وعيه الحادّ للواقع وللتاريخ، فهو يؤسس لقول هولدرلن في أنّ الشاعر
يعيش بطريقة شاعريّة على هذه الارض، بمعنى أنّ الأرضَ موجودة، والأمّة
فاعلة، والحضارة لن تزول لأنّها موجودة بفعل النشيد ونعمته.
نشيد خليل حاوي رمانا معه، نحنُ المتعطّشين إلى وطن والمرميّين
أبدًا في عملية البحث عن الهويّة، في مناطقِ التحوّل في ضمائرنا وخاصّة
في مخيّلتنا المتحولة على الدوام نحو الجهة الأخرى من وطن مثاليّ، نهرع
إليه، ونعدو نحوه كأحصنة السباق بلا هوادة.
د. ربى سابا حبيب |