Tajawoz E-Magazine, June 2007 - Issue 07

 

العودة إلى الفهرس
الصفحة الرئيسية

 

العودة إلى الموقع

 

 Sky Main Page »

قصيدة «المقيمة» لديزيره سقّال
مقاربة سيميائية وبنيوية - (غادة عازار)


1 – النص:

- إلى جانيت ستيفنز: مراسلة شابة قضت في انفجار السفارة الأميركية ببيروت -

عندما يمسح شَعرُكِ الخرائب

لا يَسْألُكِ الصقيع...

مَنْ تُراه يرحلُ في المَهَبّ؟

       زَرَدٌ ... زَرَدٌ ... وحول القصَب المُكَسّر رائحة عطر خفيفة. لعلها الإقامةُ، لعلّها الرحيل... زردٌ... زردٌ... وحول وجهِكِ رائحةُ النَهْب، وقُداسُ الصقيع...

عندما يمشي الأطفالُ على قلبكِ

وينحدرُ العبير

لا تنظُرين.

يُمْسِكُ بكِ ما تبقّى منكِ

ويُقفِلُكِ... يُقفِلُكِ...

 

       هكذا، مع كلّ انخطافة، لُمَعٌ تَمْسَحُ خُصَلَ شَعرِكِ،
وشَعرُكِ يمسح الخراب . هكذا تُقيمين في الوجه الأبعد ، تنطرحين
       على نفسكِ ، وتمشينَ عليكِ ... تُراهُ العطرُ يَرْشَحُ؟ تُراها سنابلُ؟
      
تُراها لُعبةً بين يديكِ، لا تسألُكِ، ويسرقها منكِ النَهْب...؟

       مَنْ يَرحلُ في المَهَبّ؟

 

       على شفير الغيم نطفةٌ، بقيّةٌ غريبةٌ تكبر حتى
الذهول. على شَفيرِكِ هَجْرٌ طويلٌ يَتَدَوّر، يتحامَلُ ، يَنْجَرح

        وتنزفُ الشمسُ/ تخرجين وحيدة

        وحيدة تخرجين

        يخْفُرُكِ المَعْدِنُ والحجر/ هَجْرٌ طويلٌ...

        تُراهُ العطرُ يَرْشَحُ؟

        بقيّةٌ تتكسّر/ تتقاطعُ/ تنأى

        ويحملها الغيمُ إلى بلاد الصقيع؟

        مَنْ يرحلُ في المهبَ؟

        لا شيءَ حولَكِ

        بل خواءٌ من البياض المرير،

        لا شيءَ

        بل سواقي شَعرِكِ تمسحُ النَهْب

        فآهِ، آهِ، أين أنتِ؟

        غريبةُ على موكب الهدوء تفتحينَ وَجْدَكِ الطويل، ولا يَخْفُرُكِ إلاّ الحجر. وعندما تنامينَ هادئةً حول رائحة عطرِكِ، يرحلُ الحلمُ الذي أنْجَبَكِ

         وتَسْتَغْرِقين...

 

(19 - نيسان - 1983)

ديزيره سقال

               

2 – قراءة النص:

        أولاً - تقطيع النص

        على الرغم من أن الشاعر قد أغنى قصيدته بالإيقاع معتمدًا التكرير المعجميّ أو الدلاليّ، والتقفية الداخلية، والتنسيقات الصوتية، إلا أنّ هذا الإيقاع لا يسعفنا في تقطيع هذا النص، إذ إنّ المبدأ المنظِّم الموحِّد غائب فيه.

        لذا نعتمد في تقطيع النص على على مراقبة المستويين النحوي والمعجمي. هذه المراقبة تكشف عن اشتمال النص على أربع وحدات متداخلة، تتوزع مساحة النص كله، وتشكل بمجموعها كلّية بنائية . وكل وحدة من الوحدات الثلاث الاول تنتهي بالتساؤل عينه: " من يرحل في المهب ؟ " . هذا التساؤل غاب عن الوحدة الرابعة.

        يلاحظ في الوحدات الثلاث الأخيرة، تداخل الجمل الفعلية والجمل الإسمية ما يوافق السرد والوصف: وصف الإنفجار وما سبّبه من خراب، وسرد رحلة "ستيفنز" وتشفّفها وتألّهها.

 

        * الوحدة الأولى: [1 - 3]: ثلاثة أسطر تضعنا أمام صورة خاطفة للإنفجار والموت. ثلاثة أسطر أراد بها الشاعر ثلاث لحظات كافية لقلب المشهد من بناء إلى خراب، ومن حياة إلى موت. وقد دلّل على ذلك بظرف الزمان الذي استهلّ به قصيدته والذي اتبعه بفعل "يمسح" الدال على الحاضر فاستحضر بذلك الصورة وجعلنا ننظر إليها. وفجأة يوقف المشهد باستعماله النقاط الثلاث فكأنه من خلالها يمهّد للوحدة الثانية.

 

        * الوحدة الثانية: [4 - 16]: تفصيل الوحدة الأولى: وصف الإنفجار وما خلّفه من أضرار ودمار مادي وروحي. وهنا نلحظ تداخل الجمل الإسمية والجمل الفعلية وخروج على الأسلوب الإنشائي الذي يعتمد الإستفهام الخارج إلى دلالة الحيرة والحرقة والحزن الشديد.

        أما المستوى الإيقاعي فيتمثل بالآتي:

        - التكرير المعجمي: زرد ... زرد ( 4 مرات )

                              يقفلك ... يقفلك

        - التوازي التركيبي بين: " حول القصب المكسّر رائحة عطر خفيفة "

                                 و " حول وجهك رائحة النهب " .

        وبين:" لعلها الإقامة"  "تراه العطر يرشح" ؟

              " لعلها الرحيل" و"تراها سنابل" ؟  "تراها لعبة بين يديك"ِ ؟

        - التقفية الداخلية التي تتمثّل بالضمير المتصل للمخاطبة (كِ) وجهكِ - قلبكِ - بكِ - منكِ - يقفلكِ - يقفلكِ - شعركِ - وشعركِ - نفسكِ - عليكِ - يديكِ - تسألكِ - منكِ (13كِ).

        أما الأفعال التي خصّص المخاطبة بفعلها فهي :

        تنظرين - تقيمين - تنطرحين - تمشين ( 4 أفعال )

 

        الوحدة الثالثة: [17 - 25]: وصف رحلة الموت وما تسبّبه من آلام.

        في هذه الوحدة أيضًا تتداخل الجمل الإسمية والجمل الفعلية ويكثر الإستفهام الذي يؤكد رفض الشاعر لهذا الواقع.

        واللافت في هذه الوحدة حشد الأفعال في صيغة الغائب " يتدوّر ، يتحامل، ينجرح " وصيغة الغائبة " تتكسّر ، تتقاطع ، تنأى"، والتي تتدرّج بمعناها صعدًا لتلقي الضوء على وحشيّة القدر وصعوبة الهجر.

        نلاحظ أن الشاعر قد سبك هذه الافعال بقالب موسيقي وايقاعي مميز:

ففي: "يتدور،يتحامل، ينجرح" نسجل تواتر:

وفي: "تتكسر، تتقاطع، تنأى" نسجل تواتر:

بل أكثر من ذلك فالايقاع هو نفسه في: يتدور/ تتكسر، ويتحامل/ تتقاطع.

هذه الافعال، اضافة الى فعل "ينجرح" أفعال مزيدة أدت، بزيادة أحرف على المجرد منها، تغييرا " في المعنى الاصلي للفعل، أراده الشاعر ليرسم اطار الرحلة بكافة مراحلها:

فـ "يتدور وتتكسر " فعلان مزيدان على وزن "تفعل" وهو يفيد معنى التكلف في الامر.

و"يتحامل وتتقاطع" فعلان مزيدان على وزن "تفاعل" وهو يفيد بدوره معنى المشاركة.

أما "ينجرح" فهو على وزن "انفعل" ويفيد معنى المطاوعة.

اذا"، هناك تدرج صاعد، ليس فقط على الصعيد المعنوي، بل على الصعيد اللغوي من حيث معاني الافعال المزيدة:من التكلف الى المشاركة فالمطاوعة.

        نسجل أيضا"، التنسيقات الصوتية التالية:

        تخرجين وحيدة        تكرار هذه الجملة معكوسة تضيء على

        وحيدة تخرجين         "الوحدة" وما تسببه من ألم ومرارة.

 

        وهل الوحدة إلا ألم وعذاب وقهر ؟

        كما نلاحظ التكرار في: " هجر طويل ، بقيّة ، على شفير " .

        ونلاحظ التوازن المحوري من خلال :

                                                  يتدور

        على شفيرك هجر طويل                  يتحامل

                                                   ينجرح       

 

                            تنكسر

        بقية                تتقاطع

                            تنأى

        كما تكثر الثنائيات : على شفير الغيم           نطفة

                                                               بقية

                             يخفرك              المعدن

                                                   والحجر

 

        وهناك تكرار وتوازٍ تام بين الوحدتين الثانية والثالثة من خلال: " تراه العطر يرشح؟ من يرحل في المهب؟ قدّاس الصقيع / بلاد الصقيع " .

        أما الأفعال التي خصّ المخاطبة بفعلها فهي :

        تخرجين - تخرجين ( فعلان )

 

        الوحدة الرابعة: [26 - 34]: الفراغ وحتمية المصير . نلاحظ :

أ – جملاً إسمية وجملاً فعلية متداخلة.

        ب – التساؤل بعد التأوّه: "فآه، ىه، أينَ أنتِ؟" هذه صرخة ألم يطلقها الشاعر معلنًا استسلامه المرير للأمر الواقع.

        ج- التكرار: " لا شيء ... بل، لا شيء ... بل " . العطف بـ "بل " يفيد لغويًا معنى الإضراب عما تقدمه والإهتمام بما بعده. فما الذي تقدم " بل " وما الذي " تلاه " ؟

        في الجملتين: "لا شيء حولك بل خواء"

        "ولا شيء بل سواقي شعرك تمسح النهب"،

        جملة ما قبل " بل ": ( لا شيء ) تعني الفراغ والجملتان ما بعد " بل " تعنيان أيضًا الفراغ بل الإيغال في الفراغ؛ والشاعر، إن صاغ جمله على الشكل الآتي إنما ليؤكد على خلوّ المكان من " رائحة العطر " وعلى الفراغ الذي يملأ وجدانه.

        أما الأفعال التي خصّ المخاطبة بفعلها فهي: نفتحين - تنامين - تستغرقين. وقد أدت هذه الأفعال دورًا موسيقيًا وإيقاعيًا جماليًا (3 أفعال)

 

        ثانيًا - تأطير النص وتعيين بنيته الدلالية الكليّة

        يفترض تأطير النصّ الجواب عن الأسئلة: مَن يتكلم؟ إلى مَنْ يتوجه؟ أينَ؟ متى؟ علامَ؟ ولِمَ يتكلّم؟ وهي تُختَزَل بالمثلث: أنا – هنا – الآن.

        المتكلم في هذه القصيدة هو الشاعر "ديزيره سقال" إلا أن "الأنا" لم ترد قط في النص. فهو يوجه مرثيته هذه إلى مراسلة شابة - "جانيت ستيفنز" - قضت في انفجار السفارة الأميركية ببيروت. وقد دلّل عليها الشاعر عبر الإهداء الذي جعله بمنزلة مقدمة صغيرة. فالقصيدة كلها تتمحور حول المخاطبة. ومع أن " أنا " الشاعر غائبة، إلا أن روح "الأنا" حاضرة في كل كلمة. فنحسّ بها تتأوّه وتتحسّر وتتقطّع مرارة ولوعة ، و " تتكسّر " و"تنجرح" و " تنزف " ... لدرجة أن الشاعر قد جعل من المخاطبة " المقيمة ". هذا العنوان خير دليل على أن ستيفنز، وإن رحلت بجسدها، إنما هي " مقيمة " أبدًا في فكر الشاعر وقلبه. "فالمقيم" بمعناها المعجمي تدل على من اتخذ مكانًا مستقرًا دائمًا له فلا ينتقل منه.

        وقد ورد العنوان مرّة واحدة في النص " لعلها الإقامة ... "

        وإذا كانت السيميائية تنبثق من نظرية إنتاج المعنى وإقامة التواصل فإن سيميائية الأدب ترتكز على مفهوم للخطاب يوجب التعاطي معه بوصفه كليّة مبنيّة دالة.

        ج- قراءة الخطاب الشعري عن طريق البناء

تفترض القراءة عن طريق البناء الرؤية إلى مستهلّ القصيدة وإلى ختامها، ولَحْظ التحوّل الحاصل بينهما. وفي الواقع إنّنا نلحظ تعارضًا بين بدايته ونهايته. فهو قد انقتح على مشهد "الخرائب" الذي أحدثه الانفجار ومشهد الموت المتمثّل بـ "الصقيع". فمن طبيعة الانفجار أن يُحدِث دويًّا ورعبًا. إذًا المشهد ينطوي على حركة سريعة وأصوات قويّة. فيه يتفجّر الظلم وتنعدم القيم الإنسانية. هو مشهد وحشيّ تكثر فيه اللّوثات.

        أما الموت فهو سقوط الجسد المادي وتعطّل الحواس والأعضاء.

        أما ختام المشهد فيكشف عن رؤية المخاطبة ترحل على " موكب الهدوء "و" تنام هادئة" و " تستغرق ". فالحركة ساكنة والصوت خافت وشبه منعدم. فهو يعبّر عن الخشوع والعودة إلى النفس الإنسانية.

        أما الموت فقد تحوّل إلى حياة روحيّة أزليّة حيث تعود الحواس أكثر تنبهًّا: "تنام بهدوء  وتشم رائحة العطر وتفتح وجدها الطويل وتستغرق ".

        وهكذا فإن القصيدة بكاملها قائمة على ثنائيات متعارضة. فكيف يتشكل العالم الدلالي في حركة النص وما هي محاوره ؟

        هذه القصيدة عبارة عن شبكة من الثنائيات المتعارضة التي تتداخل فيما بينها وتسري بتناغمية تامة وتتوافق لتشكل بنية القصيدة الدلاليّة الكلية.

        تتفرّع مختلف الثنائيات من ثنائية الإقامة/الرحيل وهي: الجمال/ القبح، الطهر/ اللوثات، النور/ الظلمة، الأمان/ الخطر، الحب/ الكره، الخير/ الشر، الخصب/ العقم، الإيمان/ الجحود، الحياة/ الموت، البراءة/ الدنس، الفوق/ التحت .

        فلمّا كان الرحيل رحيلاً قسريًا وقهريًّا، لا إرادة للمخاطبة فيه، أصبح مرادفًا للموت و"النهب" - نهب الحياة -. هبّت ريحٌ رهيبة، شديدة الشناعة، فحملت في " مهبّها " جملاً وطهرًا ... ريحٌ لاإنسانية متجرّدة من كل ما هو عقلي أو أخلاقي، هدمت وكسّرت واستبدلت " رائحة العطر " بـ "رائحة النهب". ريحٌ "مسحت" الجمال وأحلّت محلّه "الخرائب".

        الجمال اغتيل بعد ما كان يزهو بشعر قد أخذ من الشمس " لمعا" " وتلوّن بلونها.

        الخصب اغتيل: فالسنابل انفرطت وباتت في أرض عقيم - أرض النهب - التي مسحتها السواقي فتحوّلت بدورها من رمز للخصب إلى رمز للعقم.

        تلاشى الحب وتلاشت النفس وتلاشى معها مبدأ الوجود والفكر والحياة. وهل الوجود والفكر والحياة إلا عطر مضوّع؟

        وبدأ "العطر يرشح" ويسيل شيئًا فشيئًا: أقيم "قداس الصقيع" وقُدِّم العطر ذبيحة على هيكل الله.

        وهنا بدأت الرحلة وبدأ العطر يطهّر نفسه من رائحة النهب. أراد أن يتخلص من ماديته، ووجوده المادي، ويقيم في "الوجه الأبعد" ويلتحم مع "العبير" الذي "انحدر" لملاقاته.

        وهكذا، تبخّر العطر وتخلص من كثافته فتحوّل إلى "نطفة" تسكن الغيم وتتجمد في "بلاد الصقيع".

        وكان الهجر هجرًا طويلاً أخذ معه الأمان والنور والدفء والطهر والخير والإيمان. كيف لا و "الشمس تنزف"؟ أفلا تعني الشمس بطبيعتها القوة والنور والحرارة والأمان؟ أفلا تلقّح الشمس الأرض بنورها وحرارتها وتشغل دور المبدّد للخوف لأنها توزّع الضياء وتمحو الظلمات فتزرع الأمان؟ ألم تكن عبادة الشمس هي العبادة العلمية المنطقية الوحيدة القائمة قبل أن تبشِّر الأديان بالله؟

        فانظروا إليها تنزف ... وانظروا إلى القيم كيف أصبحت تتهشّم و "تتكسّر" "فتتقاطع" وتتشابك ثم "تنأى" وتبتعد . ولا يبقى إلا "الخواء". حتى البراءة المتمثّلة "بالبياض" أصبحت مدنّسة "مريرة". تلطّخ الطهر وغلّفته اللوثات فأصبح متّسخًا، نجسًا. فماذا يبقى؟ "لا شيء". نظرت الروح من فوق بعد أن تشفّفت واستعادت عطرها وتأسّفت على "التحت" فنامت هادئة على "موكب الهدوء تفتح وجدها الطويل وتستغرق"...

        وهكذا، من خلال الثنائيات المتعارضة المنتشرة في النص، سرد الشاعر رحلة "ستيفنز". ولكن يبقى أن تنساءل لماذا خصّص الشاعر المخاطبة بأفعال تقوم بها في حين أنّها ميّتة؟

        عودًا على بدء ومن خلال تقطيع النص إلى وحدات، لاحظنا أن المخاطبة قد قامت في الوحدة الثانية بأربعة أفعال "تنظرين، تقيمين، تنطرحين، تمشين" وفي الوحدة الثالثة بفعلين "تخرجين، تخرجين" وفي الوحدة الرابعة بثلاثة أفعال "تفتحين، تنامين، تستغرقين".

        وهكذا فإن رحلة "ستيفنز" من الموت الجسدي إلى الحياة الروحية قد تطلّبت تسعة أفعال والتي تشكّل في هذا النص تسع مراحل: 4+2+3 = 9 . فإلامَ ترمز هذه الأرقام؟

        الرقم 4 : يرمز إلى المادة ومكوّنات المادة . هناك أربعة عناصر تكوينية: ماء - هواء - تراب - نار. إذًا في الوحدة الثانية جعل الشاعر المخاطبة تقوم بأربعة أفعال كي تتخلّص من ماديتها ومن جسدها الترابي.

        الرقم 2 : يرمز إلى التوازن بين الروح والمادة أي هو مرحلة إنتقالية تتشفّف فيها الروح. وهكذا، فإن رحلة "ستيفنز" كان لا بد لها من أن تمرّ بمرحلة إنتقالية قبل أن تتنقّى وتصل إلى الكمال الذي يُرمز إليه بالعدد 3 . أليس العدد 3 رمزًا للثالوث المقدس ورمزًا للروح؟

        وقد أدى الايقاع الكثيف في الوحدة الثالثة دوره في التعبير عن تلك المرحلة الانتقالية لما فيه من حركة ساعدت الروح على تحررها من قفصها. وهنا لا بد من الاشارة الى ترافق المستوى الايقاعي مع المستوى المعجمي وانسجامهما التام في عزف سيمفونية الرحيل.

        أضف إلى ذلك أننا إذا جمعنا 4+2 نحصل على الرقم 6 الذي يرمز إلى القدر الروحاني بالإتجاه إلى الأعلى، وهو التهيّؤ للكمال لأنه يتمّ الإنتقال من المعرفة بالقوة إلى المعرفة بالفعل.

        وإذا جمعنا 4+2+3 نحصل على الرقم 9 الذي يعتبر في الترميز الكوني رمز الكثرة العائدة إلى الوحدة. كما يرمز أيضًا إلى إفناء كل جسد وإفناء فضيلة كل جسد وهو رمز سيادة الروح.

        وهكذا فإن الشاعر ، ومن خلال استعماله للأفعال تلك ، قد صور رحلة "ستيفنز" التي بدأت عندما تخلّت عن ماديتها فتهيأت للكمال إلى أن بلغته فسادت روحها.

        يبقى أن نعلّل الإخراج الطباعي الذي يكشف عن فسحة بيضاء بين الوحدتين الثانية والثالثة. فقد سبق أن تكشّف لنا في الوحدة الثانية 13 استعملاً لضمير المخاطبة (كِ). والعدد 13 لطالما كان يرمز إلى الشر والتشاؤم. هذا الشر قد تجلّى بسقوط "ستيفنز" صريعة وبرفض الشاعر لهذا الواقع المرير. فأحسسنا به منهكًا، متعبًا يخاطبها ويسألها ويسألها ويعيد السؤال علّها تجيب ... ولما لم تجب أيقن أنها رحلت وأصبحت "على شفير الغيم " ... هذه الفسحة عبّرت عن هذا اليقين وجعلتنا نتحسّس تلك المرحلة الانتقالية - مرحلة انتقال الروح - التي مهّدت لها الوحدة الثانية لتبرز جليًا في الوحدة الثالثة.

        كما إن هذه الفسحة جعلتنا نتحسّس أيضًا تعب الشاعر فأراد وقفة صغيرة يستعيد فيها أنفاسه ويستجمع أفكاره.

        ومن الملاحظ أيضًا أن الاستفهام قد ورد تسع مرات ، عَبَرَ من خلاله الشاعر من مرحلة الشك إلى مرحلة اليقين والدليل على ذلك أنه لم يقفل القصيدة على تساؤل لأنه بات مدركًا وعارفا...

        فمهما كانت الرحلة بعيدة، ومهما غابت الشمس وانزاحت، ستبقى أبدًا "المقيمة".
 

«تــجــاوز»
مجلة إلكترونيَّة شهريَّة أدبيَّة ثقافيَّة
 
تصدر عن جمعيَّة «تجاوز» وتنشر إلكترونيًّا وحصريًّا عبر موقعنا:
Sky of LEBANON.com

العدد السابع
حزيران (يونيو) 2007
 

 

قصيدة «المقيمة»
(مقاربة سيميائية وبنيوية)

غادة عازار

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2007