|
"وإذا مجوس من المشرق يتقدّمهم نجم...
ولمّا رأوا الطفل خرّوا وسجدوا له."
يا مجوسَ الشرقِ، هل طوّفتُمُ
في غَمرةِ البحرِ إلى أرضِ الحضارَهْ
لترَوا أيَّ إلهٍ
يتجلّى من جديدٍ في المغارَهْ؟
من هنا الدربُ، هنا النجمُ
هنا زادُ المسافِرْ!
ساقَنا النجمُ المغامرْ
عَبرَ باريسَ... بَلَونا صومَعاتِ الفكرِ،
عِفنا الفكرَ في عيدِ المَساخِرْ،
وبروما غَطَّتِ النجمَ، مَحَتْهُ
شَهوةُ الكهّانِ في جمرِ المباخِرْ،
ثمّ ضَيّعناهُ في لندنَ، ضِعنا
في ضبابِ الفحمِ، في لغزِ التجارَهْ!
ليلةَ الميلادِ، لا نجمَ،
ولا إيمانَ أطفالٍ بطفلٍ ومغارَهْ.
ليلةَ الميلادِ... نِصفِ الليلِ... ضيقٌ...
شارعٌ يفرغُ... ضِحكاتٌ حَزينَهْ...
وانحدَرنا في الدهاليزَ اللعينَهْ،
لمغاراتِ المدينَهْ،
أعينٌ ترتدُّ عن بابٍ لبابٍ،
أعينٌ نسألُها: أينَ المغارَهْ؟
واهتَدَينا بسراجٍ أحمرِ الضوءِ لبابٍ
حُفرَت فيهِ عبارَهْ:
"جنّةُ الأرضِ! هنا لا حيّةٌ تُغوي،
ولا دَيّانَ يَرمي بالحِجارَهْ
ها هنا الوردُ بلا شَوكٍ
هنا العُرْيُ طَهارَهْ...!"
إخلَعوا هذي الوجوهَ المستَعارَهْ
سُلِخَتْ من جِلدِ حرباءٍ كَريهْ،
- نحنُ لم نخلعْ ولم نلبسْ وجوهْ
نحنُ من بيروتَ، مأساةً، وُلِدنا
بوجوهٍ وعقولٍ مستَعارَهْ
تولدُ الفكرةُ في "السوقِ" بغِيًّا
ثمَّ تقضي العمرَ في لَفْقِ البَكارَهْ
"إخلعوا هذي الوجوهَ المستَعارَهْ."
ودَخلنا مِثلَ مَنْ يدخلُ
في ليلِ المقابرْ،
أُوقِدَتْ نارٌ، وأجسامٌ تلَوّتْ،
رقصةُ النارِ على ألحانِ ساحِرْ،
فاستَحالَتْ عَتَماتُ السقفِ
بِلّورًا، ثُرَيّاتٍ، وزُرقَهْ
واستَحالَ العفَنُ الجاري
على الجدرانِ خمرًا... ذهبًا وحْلُ الأزِقَّهْ،
وجُسومٌ حَلَّ فيها الخمرُ، صَفّاها،
جسومٌ لم تعدْ طينًا وماءْ،
واتّحدنا عصَبًا،قلبًا، دِماءْ.
"أنتمُ في جنّةِ الأرضِ...
صلاةٌ... إنَّ في الأرضِ السماءْ..."
ورَكعنا خُشَّعًا للكيمياءْ
ولساحِرْ
كَوّرَ الجنّةَ من ليلِ المقابرٍ
وعبدناهُ إلهًا يتجلّى في المغارَهْ:
يا إلهَ المتعَبينْ
يا إلهَ الضائعينْ
يا ألهًا هاربًًا من صرعَةِ الشمسِ
ومن رُعبِ اليقينْ
يتخفّى في المغارَهْ:
في كهوفِ العالمِ السفليِّ
من أرضِ الحضارَهْ.
(من ديوان: نهر الرماد)
|