Tajawoz E-Magazine, June 2006 - Issue 03

 

العودة إلى الفهرس
الصفحة الرئيسيَّة

 

العودة إلى الموقع

 

 Sky Main Page »

الحرية
(من غريس مخايل)


            سَمِعْتُ
ذات ليلة، وأنا مستلقية على فراشي، مذيعاً يُخبر المستمعين قصة عنوانها الحرّية. كان يقول:

- في قديم الزمان، وفيما كانت الفضائل والرذائل وحدها تسكن الأرض، اقترب الشرّ فيّ من الفضائل والرذائل وقال:

  - سوف نلعب لعبة الغميضة.

فصرخ الجنون:

- أنا... أنا سأبدأ بالعدّ.

وبدأ الجنون بالعدّ بعد أن أغمض عينيه:

- واحد، اثنان، ثلاثة...

وبدأت الفضائل والرذائل بالاختباء، فالتَحَفَتِ الشفافية بضوء القمر، ووَجد الشغف لنفسه مكانًا بين النجوم. أمّا الكذب فقال: «سأختبئ بين الحجارة». ثمّ غاص إلى قعر المحيط.

ووصل الجنون إلى الخامسة والتسعين، والحرّية لم تختبئ بعد... بدأت تقلق... ستنكشف... ماذا ستفعل؟... فاقتربت منها الحكمة وهمست في أذنها:

- اختبئي في حديقة قصر الريح.

وعندئذٍ رمت الحرية بنفسها بين أشجار حديقة ذلك القصر، وانتظرت.

أنهى الجنون العدّ، وفتح عينيه. كان أول من انكشف الكسل، بما أنّه لم يبذل أيّ جهد للاختباء. وبعدها خرج الكذب من قعر المحيط منقطع الأنفاس. ثم انكشفت الأنانية والشغف والشفافية. انكشف الجميع إلاّ الحرية. لم يجِد أحد الحرية. فصرخ الجنون:

- أين الحرّية؟ لا أجدها في أيّ مكان!

اقترب عندئذٍ الحسد من الجنون، وقال:

- إنّ الحرية مختبئة في حديقة قصر الريح.

فجمّع الجنون جنونه، وتحالف مع العبودية في صناعة قفص لتقييد الحرّية، وتوجّه الجميع صوب القصر. ولكن، عند وصولهم، وجدوا أنّ الحرية انتشرت في كلّ مكان، على الجدران والأشجار، على الشتول، في الزوايا والمنعطفات، في كلّ مكان. كانت الحرّية... فلم يعرفوا كيف سيلجمونها، سيمنعونها من الانتشار... إلاّ أنّها كانت قد سرت كعدوى في كلّ مكان، حتّى على الغبار، فلم يعد يقدر أحد على إخمادها.

هكذا يجب أن تكون الحرّية اليوم، بعد مرور ملايين السنين، ومع انتشار البشر على الأرض...

وصلْتُ إلى هذا الحدّ، وشعرت أنّ خيوط الملل قد تسلّلت إلى نفسي، وبدأت أنامل النعاس تداعب أجفاني، فأطفأت المذياع. ومع ابتسامة مريرة على شفتيّ، تساءلت: لماذا أنا حزينة مع أنّني حرّة؟ ولماذا تسعى الشعوب، ومنذ البدء، خلف الحرّية، مع أنّها لم تؤمن لي شيئاً من الراحة النفسية التي كنت أنشدها خلال عذاباتي ومأساتي.

أيقظني عصفوري الأصفر في صباح اليوم التالي، وهو يُرسل أنغاماً متأوّهة، متألمّة كمن يرزح تحت وطأة مرضه. نَهَضْتُ متثاقلة خطواتي، ألتمس شيئاً من نور الشمس في الحديقة المشرفة على البحر. إلاّ أنّني، وعلى الرغم من دفء الطقس، كنت أشعر بالبرد.

عدت بعد هنيهة إلى غرفتي، وارتديت ملابسي، وخرجت من المنـزل متوجهة، وكما كلّ يوم، إلى مركز اجتماعنا، أنا و أصدقائي.

وأنا أمشي في الطريق، كنت أرى أضواء النهار حولي وقحة، والألوان تذبح عيوني ذبحاً. لم أكن أرى... لم أكن أسمع... كنت فقط أريد تناول مادّة الحياة وجالبة السعادة والحرّية بالنسبة إليّ.

حين وصلتُ، كان الجميع قد تجمّع في تلك القاعة المعتمة والضيّقة. أنفاسي كانت قد بدأت تتلاشى... كنت أرغب في تناولها كما تشتهي أمّ عاقر تكوّن جنين في أحشائها... كنت أتوق إليها. كنت أرغب فيها بقوّة... بقوّة... إنّها حرّيتي... تجعلني أرى نفسي كما أريد.

دفعت ما يتوجّب عليّ، فقدّم لي شادي البودرة البيضاء على ورقة، جلستُ على الأرض. وكظمآن قُدمت له كأس ماء، شممتها وتركت مفعولها يجري في عروقي وكياني... لقد تحوّلتُ... صرتُ فوق الغيوم، فوق الدنيا، في عالم آخر... أنا حرّة طليقة... أنا... فوق الغيوم، إنما غيوم حزينة... لستُ أدري... أنا حرّة، ولكن حزينة.

بعد قليل، شعرتُ بدوار، وشممت روائح كريهة جدًّا، فقمت من مكاني بعد جهدٍ، كأنني أهبط من الغيوم إلى الأرض، وخرجت. وما هي إلاّ ثوانٍ حتّى وقعت على الأرض كقتيلة.

استيقظت على نفسي في غرفة غريبة، فأجلْتُ نظري في أنحائها، إلى أن وقعت عيناي على عينين تتكلمان من غير أصوات. نظرتُ إليه. كان وجهه أبيضَ، ناصعًا، ينضح سلامًا وطهارةً كالميرون. رغبتُ في أن أحدّق إلى وجهه وعينيه إلى الأبد. وفيما أنا منذهلة بجمال ذلك الرجل، وضع يده على جبيني، وقال بصوت يضاهي صوت الناي رقّة، وصوت القيثارة حنانًا:

- لا بدّ أنَّكِ مررت بتجربة صعبة. لقد كنت مُغمى عليك، فحملتك إلى ديري لأعتني بك. والآن نامي وارتاحي، وبعد ذلك نتكلّم. وفي هذا الوقت سيحرسك الرّب، ورفع صليبه وباركني.

وهو يقول هذه الكلمات، شعرت أنّ أحدهم يصبّ نارًا على صدري. إنّ هذا الإنسان... هذا الإنسان... أسير في ثوب أسود، وفي دير بعيد... ما هذا الظلم؟ وقبل أن يستدير، جمعْتُ كلّ قواي بيديّ، وأمسكتُ بيده، ثمّ نَقَلْتُ قواي إلى أوتار حنجرتي، وقلت له:

- ألا تشعر أنك مقيّد؟ أنكَ تعيس؟ كيف يعيش إنسان بجمالك في قبر يكبت الحرّية؟!

فنظر إليّ بتلك العينين اللتين تحاكيان الوجود والوجدان بأعذب اللغات، وقال:

- إني أعرف ما هي الحرية بالنسبة إليكِ. إنها ابتلاع سمّ فتّاك يهدي الروح بريقاً قاتماً.

فارتعدْتُ في مكاني. ومن غير أن يترك لي مجالاً للتفكير، تابع:

- وجَدْتُكِ شبه ميتة أمام قبوٍ معروف مَنْ هُم الذين يتردّدون إليه. وكنتُ متأكّدًا من أنَّكِ ستقولين لي ما يمليه عليكِ هذا المخدر الرهيب. إلاّ أنّني أبدو لكِ وسيمًا لأنني معرّض لأشعة الحرية، التي لا تعرفينها. لو لم تغمرني بأنوارها لغصت في حلكة الظلام. إنّ الحرية الحقيقيّة ليست حرّية الجسد، وإنّما حرّية الروح، براءة الروح هي. وأنا لَسْتُ أسيرًا، بل أنتِ الأسيرة، يا ابنتي. أنتِ عبدةٌ لملذاتكِ... أنتِ بحاجة إلى الحرّية.

- أرجوك...

- لا يمكن لجلاّد قاهر أن يقود النفس إلى زوايا السعادة، وإنّما يقودها فقط إلى حبل المشنقة. إنّ الحرّية، يا ابنتي، تنبع من عمق الأعماق، من مكان تصلّي فيه الأرواح. إنّ الحرّية ليست من الخارج، بل هي في الداخل.

لم يكن هو الذي يكلّمني، بل كان صوت الربّ فيه. كانت ملائكة السماء جالسة بقربي. وتلك الكلمات، كتلك العيون، تناجي الوجدان طليقة، رقيقة، رائعة، تُساعد الأرواح العالقة في أنوارٍ مزيّفة على الخروج والطيران نحو الحرّية الحقيقية، نحو ضوء الشمس.

           ومنذ ذلك اللقاء، صرتُ أعرف أنّ هنالك أشياء أعلى وأسمى من أفكارنا، نحن البشر. هنالك أشياء تعرف عن الروح ما لا تعرفه الروح. صرتُ أعرف معنى الحرّية.

الحكمة - برازيليا
(الجائزة الثانية – 2004)

«تــجــاوز»
مجلة إلكترونيَّة شهريَّة
أدبيَّة ثقافيَّة
تصدر عن جمعيَّة «تجاوز»، وتنشر إلكترونيًّا وحصريًّا عبر موقعنا:
Sky of LEBANON.com

العدد الثالث
حزيران (يونيو) 2006

 

«تجاوز» الناشئة

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2006