|
إلى أ. ق.
الأكثر بهاءً بين صديقاتِ الشعر
1
يخرجُ العِطرُ حَيرانَ من وردةِ
الأسئلَهْ
تخرجُ الأمثلَهْ
من
فمِ الأرضِ مخنوقةً –
سيكونُ ظهورٌ على شاطئِ الفراتٍ:
آدَمٌ من حديدٍ، وحوّاءُ جَبّانةٌ.
إنّها أرضُنا تتمرأى في تأبينِها
مَرَّ فينيقُ فيها وتنوَّرَ
أبعادَها وتغنّى بها
ورواها
وغنّى لها
واحترقْ
للغسَقْ
للقبائلِ والقابلينَ لكَلاّ كما قلتَ يا سيّدي
لِنَعَمْ مثلَما قلتَ يا سيّدي وللمدنِ
اٌلعائماتِ على لجّةِ القتلِ للقَتلِ طوبى وزُلْفى لرؤوسٍ تسيرُ شمالاً
وأجسامُها تسيرُ يمينًا
للذي نتشرّدُ من أجلِهِ
ونقاتلُ – نُقتَلُ من أجلِهِ
ونَقتُلُ من أجلِهِ
والذي لا مكانَ لهُ في المكانِ – لمِعراجِ أسلافِنا
والجيادِ التي حملَتْهم
وإسراءِ تاريخهمْ
والقوافلِ والعَتَباتِ وأضرحةِ الأولياءْ
للتوابعِ والتابعينَ ومَن يتبعُ التابعينَ لِهَلْ
تولدُ الروحُ في الماءِ أم في الهواءْ؟
للمدارِ الذي قذفتنا الحروفُ إلى طينِهِ
وعَجَنّا به الأرضَ مختومةً بالسماءْ
ولنا، يائسينَ كعَظْمٍ،
لتقُلْ قولَ صِدقٍ
لِتَقُلْ أيَّ شيءٍ
أيَها الشاعرُ الذي شاءَ ما لا نشاءْ.
مثلَما ينزلُ الوحيُ من لوحِهِ
مثلَما يصعدُ اللهَبْ
وأكرّرُ: تَبَّتْ يداهُ وما أجملَ الغضبْ
ليسَ بيني وبينَ أبي لهَبٍ غيرُ جسرِ اللهَبْ.
إنّها أرضُنا تتمرأى في تجاعيدِها، –
كلُّ ما قالَه الفقهاءُ النحاةُ عنِ
الشعراءِ هُواءٌ وأسجوعةٌ
وسأقتلُ هذا الزمانَ الذي يتمدّدُ فيَّ
ويعرجُ من راسِهِ
قلتُ عنه: دمٌ افسدٌ ولم أتردَّدْ
أن
أكرّرَ: هذا الزمانُ دمٌ فاسدٌُ
ونقولُ لجلقامِشٍ:
أتُرى ارضُنا
خُلِقَ الناسُ فيها لكي تتفيّأ أجسادُهم كلماتٍ؟
ونقولُ لجلقامشٍ:
شمسُنا تتنزّه في خرقةٍ
من طحالبِ هذا الوجودِ، اٌلوجودُ عمودُ رمادٍ
ونخافُ من القولِ أكثرَ ممّا نخافُ من القتلِ
نكتبُ
تعزيمةً
للفراغِ الذي يتنبّأ لكنْ بأظفارهِ،
فأنا مُبلِغٌ والبلاغْ
أنّني أكتبُ الفراغَ أخاطبُ هذا الفراغْ.
زمنٌ رأسُهُ قدَماهُ
والفضاءُ على وجهِهِ آلةٌ
سنقولُ لجلقامشٍ:
بعدُ لم تكتشفْ ْأيَّ سرٍّ
والظلامُ الذي كانَ يولدُ حولَكَ ينمو
ونجهلُ من أينَ يأتي
ونعجزُ عن أن نشيرَ غليهِ
ونقولُ: انتظرتُ الطفولةَ في وجهِ غولٍ
وتوقّعتُ أن ينزلَ الشرقُ والغربُ من نجمةٍ واحدَهْ
في مصابيحِكَ الخامدَهْ.
إسمعِ الآنَ – تلكَ هيَ الريحُ تهذي وتنسجُ ثوبَ
الفضاءْ
خيمةُ للبكاءْ.
ونقولُ لجلقامشٍ:
ما
تُرى في الصراطِ الذي يتلبَّسُ وحهَ الجحيمِ ووجهَ النعيمِ ويبدأ من
حفرةٍ؟
في
السحابِ يصيرُ كتابًا
في
الكتابِ يموِّجُ ألفاظَهُ
كالسلاسلِ، من أيتَ يُؤتى
بسجّادِ هذا الخضوعِ، لمنْ يفتحُ الغيبُ هذا الشقاءْ؟
إنّها ارضُنا –
سيجيءُ الغناءْ
ألغناءُ الذي يحسبُ النايَ رمحًا والمرايا حصونْ
سيجيءُ ويصنعُ من وحْلِها مثالاً
ويوَحِّدُ بينَ الحياةِ وأشلائها
سيجيءُ ويشربُ ترياقَهُ
حُكَماءُ المدائنِ والأتقاياءُ رعاةُ الشوارعِ والراسِخونَ
يدورونَ في شكلِ قوسٍ وشكلٍ هلالٍ
يَهرفونَ ولا يعرفونْ.
ضَجِرَ الماءُ منّا
ضجرَ الماءُ والشمسُ والريحُ منّا
وأدحرجُ هذا الكلامَ إلى قاعِ حزني
ليسَ للماءِ حبرٌ سوى نفسِهِ
ليسَ للشمسِ ظلٌّ سوى نارها
ليس للريحِ بيتٌ سوى صوتِ÷ا
هل
أقولُ إذنْ: ها هي النارُ برْدٌ على الماءِ والماءُ رملٌ
وأقولُ الملائكُ من كهرباءٍ
وأقولُ القمرْ
غُصُنٌ كانَ ارجوحةً
لتَباريحِنا
فانحنى تحتَها وتقوَّسَ من عبئها وانكسَرْ؟
أيّها الموتُ – شيخًا على الريحِ
طفلاً على الماءِ
والنارُ أمواجُهُ القائدَهْ،
إنّنا لحظةٌ واحدَهْ.
والحياةُ صحائفُ للشكرِ والحمدِ
والبَسمَلَهْ
مُنزَلاتٌ كمثلِِ الصحائفِ
والكتُبِ المنزَلَهْ
فكرةٌ – دميةٌ، فكرةٌ – مِقصلَهْ.
ونقول لجلقامشٍ:
إفتَتِحْ هذه اللغةَ المقفَلَهْ
أعطِنا شاهِدًا لا رقيبًا
أعطِنا ما تقولُ الحياةُ وما
يتوهّجُ في غربةِ الأسئلَهْ
لا تزالُ جيوشُ الخرافةِ تغزو
بلادَكَ، آتيةً من سدومْ
أعطِنا ما تقول العناصرُ لا ما تقولُ الغيومْ.
هل نُطيعُ الدخانْ؟
هل نصالحُ بينَ السرابِ وهذا المكانْ؟
ونقول لجلقامشٍ – للفراتْ:
لا نريدُ الخلودَ نريدُ الحياةْ.
هكذا نحنُ هذا المساءْ
نلعبُ النردَ معْ نجمةٍ
تتشرّدُ في عتَماتِ السماءْ.
(ضعْ بلادَكَ في زفرةٍ وتَضَمَّدْ بجرحِكَ) أسرى
بهَواهُ شمالاً فسارَ يمينًا
وتوجَّهَ شرقًا فغرَّبَ أخفى خطاهُ
وتوقَّعَ أن يفتحَ الغيمُ كفيهِ
في اضِهِ الظامئَهْ
فَوَّضَ الأمر للكلماتِ – تُراهُ سيخرجُ من سجنِها؟
سِجنُها سُرّةٌ
ولها فَخِذٌ دافئَهْ.
وأقولُ لجلقامشٍ:
أنتمي لاسمٍ ولا ملّةٍ
لغتي مِلّتي
كَرِهَ الشعرُ أبناءَهُ كلُّ احلامِهِ تتساقطُ في صدرِهِ
حطامًا
والحقولُ التي عشِقَتْهُ تتمزّقُ مكسوّةً
بجراحاتِهِ
يدُهُ وردةٌ
والمسافاتُ في وجهِهِ قيودٌ
ونقولُ لجلقامشٍ:
كيفَ؟ مِنْ أينَ تنفي
رايةٌ من خزامى
رايةً من حديدٍ؟
إنّها أرضُنا
أَمَةُ الأنبياءِ وحَمّالةُ الحَطَبْ
ليسَ بيني وبينَ مَداراتِها غيرُ نارِ الغضَبْ.
أيّها القصَبُ المُنحَني
أيّها القصَبُ التكسِّرُ يا صورَتي
عَجَبًا كيفَ تعرفُ أنّكَ تَفنى وتجهلُ أنَّكَ تحيا؟
عجبًا أيّها العابرُ
كيفَ لا تشهقُ الأرضُ فيكَ وينفجرُ الشاعرُ؟
وأقولُ لجلقامشٍ:
أتعدَّدُ فيكَ وفي وحدتي –
وحدَتي درَجٌ في الهواءْ
وحدَتي كلُّ هذا الفضاءْ.
أمطرَتْ فوقَ أنقاضِ أيلولَ أيلولُ جسرٌ بينَ عيني وعيني
وأيلولُ بيتُ الخريفِ الذي أخذ الآنَ يهبطُ في ذرُواتي
فاجِعٌ أن أقولَ
على سلّمِ الموتِ لاقَيتُ حبّي غيرَ أنّي على سلّمِ
الموتِ لاقيــتُ
حبّي وموتيَ صوتٌ
يتغنّى بظِلّي يغنّي لهُ وأنا مثلُهُ: مهنتي أن أغني
لتجاعيدِ قيسٍ
لمرارتِهِ التي تتناسَلُ بينَ حروفِ الهجاءْ
أقرأ السحرَ والكيمياءْ
أنتشي في مدارِ البكاءِ على الطللِ العربيِّ وأُجري رياحَ
الحَنينْ
في الهباءِ وتارخِهِ الأمينْ.
وأقول لجلقامشٍ:
أتسلَّحُ بالشعرِ كي أتحدَّثَ معْ كبدِ الأرضِ معْ هرّةٍ
معْ بقايا رحيلٍ لأبقى
تائهًا بينَ عَينَيْ غزالٍ
لأخوضَ حروبي
بينَ وجهِ الكلامِ ووجهِ الطبيعةِ بينَ الأرومةِ والغصنِ بينَ الصدى
والنداءْ
أتسلّحُ بالشعرِ كي أتنوّرُ من وردةٍ في الخفاءْ،
وكي أنشرَ العطرَ من وردةٍ في الخفاءْ
مهنتي أن أكونَ
على شفَةِ الهاويَهْ
لغةً دانِيَهْ
وأقولُ لجلقامشٍ:
وقتُنا لن يجيءَ اٌنتهى وقتُنا
ألوداعَ الوداعَ – قرأتُ شموسَكَ، ما كتبَتْهُ
شموسُكَ أطبقْتُ هذا الكتابْ
لن أصدِّقَ غيرَ السرابْ.
إنّها أرضُنا
مُلْكُ صوتٍ وَحيدٍ
والصدى رأسُها ويداها
كي تراها
ينبغي أن تتحوَلَ فيها إلى...
هل
سيبقى لحزني مكانٌ في تقاطيعِ÷ا؟
ونقولُ لجلقامشٍ كي يقولَ لآياتها:
أيّها اللغةُ – الظبْيةُ
الهاربَهْ
لم تكوني سوى نجمةٍ كاذِبَهْ.
هي
ذي تتكسّرُ أجنحةُ المَعصِيَهْ:
لن
يتمَّ العبور على الجسرِ لن تَكمُلَ الأغنيَهْ.
(باريس – بيروت أوائل شباط 1991)
أدونيس
(أبجدية ثانية) |