Tajawoz E-Magazine, February 2007 - Issue 06

 

العودة إلى الفهرس
الصفحة الرئيسية

 

العودة إلى الموقع

 

 Sky Main Page »

رحلة الجسد
(من: ديزيره سقَّال)


افتح فضاءَكَ أيّها الجسد، وابتهل لنشيدي.

 

لعينيكِ مساحاتُ الوهم،

لوجهكِ المضيءُ آلافٌ من الجزر الجذلى،

ولجسدكِ الراحلِ في أرخبيلِ جسدي ذهولُ الاكتشاف وغبطةُ اللقاء،

فآهِ، انفتحي أمامي،

أدخلْ عالَمكِ المعجونِ بالغبطةِ والألق

وأحرّكْ فينا غناءَ المسافاتِ

حين تصيرُ المسافةُ عبورُ إلى الأقصى

أو

قراءةً تؤوِّلُ لذّةَ الخضوع.

***

افتحْ فضاءكَ، أيّها الجسدُ، وابتهلْ لنشيدي.

 

ما أشدَّ امتِثالَكِ لي

يا جسدي الآخر!

أيّتها الصلاةُ التي صار إيقاعُها لحمًا ودمًا.

ما أروعَ خضوعَكِ للضوء

وأنتِ الجسدُ الآخرُ الذي يُنصِّبُ اللذَّةَ قدّاسًا

وشعلةً من بكاء الفرح

وقَدَاسةِ الملكوت!

ما أروعَ سقوطي فيكِ

ذائبًا في صدى الرغبة

ونشيدِ التَوق!

وإذا ما عَبَثَت بي صحراءُ الغياب

سحَبْتُكِ إليّ من فراغِ الضوء

كالخيطِ المرتعِش،

وصرتُ فيكِ قدّاسَ الرغبة

وبَخورَ النشوة المتصاعدةِ في شهَقاتِ النور –

"نورٌ على نور"!

كلُّ جسدٍ رحلةٌ في  أفق الغرابة المضيئة.

كلّ جسد علامة

والآهاتُ بحرٌ يَعْتَريهِ الضباب.

 

الجسدُ هوّةٌ

نسقطُ فيها إلى فوق،

وكلّما سقطنا ارتقينا.

 

الجسد عباءة

تلمّنا معًا تحت غيبوبة الحلم

ونفترق في اتحادنا

كأنّنا هواء

أو سديم.

 

والجسد أبجديّة

نصنَعُ منها لغةَ الذهول،

نكتب قصائدَ الحلم الآتي

من حَناجر النشوة الملائكيّة.

 

جسدُكِ غابةٌ من أريج الزهور

تُهرَق على كائني كالهواء،

أرقَّ من هواء،

يخترقُ مسامّي/ يُساكِنني

وأنا رايتُه –

أنا مداهُ الأقصى

حيثُ الكيانُ واحد

والروح واحدة –

جسدُكِ – آهِ، جسدُكِ

قطرةٌ من شعاع،

أرَجٌ من نور

حيثُ يضيعُ كائني – كلُّ كائني

ولا يعود...

***

افتح فضاءكَ، أيّها الجسد، وابتهل لنشيدي.

 

للهاثِكِ ملمَس الأطفال وهي تُداعبُ الخَلْق.

لأرًَجكِ طعمُ النشوةِ حين تَبْرقُ في عينيّ،

ولي فيكِ كلُّ هذا الألَق،

والنشيدُ الأزرقُ وهو يخرجُ من رقصِ الموج

ويستقرُّ على هدوئكِ الوديع.

 

والألقُ الذي يأتيكِ،

في أيِّ مَعاريجَ يَنسابُ؟

وكيفَ يجرفُ معه جسدي

وهو ينزفُ صلاةَ الآه؟

وكيفَ يأسى في بداياتِ الهجوع

إذا توسّع حسّه العاري

وارتاحَ تحت ملاءاتِ جسدِكِ؟

 

الجسد صلاة

ألحانُها حمراء،

وخشوعُها من لحمٍ ودم.

 

الجسد أبجديّة

حروفُها أثيرٌ من لذّة

وخطّها اتّحادٌ من نار.

 

الجسد كتابٌ

ألفاظُهُ رنينُ الشهوة

ومَضمونُه انسيابُ الآهات.

 

الجسدُ محبرةٌ

مُدادُها عَرَقُ من نور

يكتبُ على قرطاسِ الجلدِ المرتعش.

***

إفتحْ فضاءكَ، أيّها الجسد، وابتهل لنشيدي.

 

هذا نشيدُكَ:

          كلُّ حرفٍ قصيدة،

          كلُّ لحن نشيد.

 

هذا نشيدُكَ:

          آهٌ فوقَ آه،

          وفضاءٌ من اهتزازٍ مضيء.

 

أقرأكِ

صفحةً صفحةً في رحلة الجسد.

وحينَ أبلغُ أعماقَ مياهِكِ

أعلّقُ كِياني على رايتي العالية

وأجِدُني فيكِ

شظايا من هواء

تَتَقَرّاكِ في كلّ ضَمّة

وفي كلّ تيّار هامس.

أكتشفُكِ

كالضوءِ الخارجِ من داخلي

بعيدًا... بعيدًا،

أرحلُ فيكِ:

تستقبلُني أناشيدُ الورد

وحشودُ السوسن،

يحملُني أريجُ الفرحِ إلى حدود الذهول

وترفعُني النشوةُ إلى فردوسِ عينيكِ –

عيناكِ غابتا صلاةِ خضراء،

وصوتُكِ الغناءُ في الفردوس.

 

عيناكِ محبرةُ الكلام

أرحلُ فيهما إلى غاباتٍ بلا حدود.

يحملُني موجُهُما

إلى مغامرةِ التوقِ الطويلة

ونشيدِ الألق.

 

عيناكِ محبرةُ الكلام

فانكَتِبي أيّتها القصيدةُ الوحيدة

من نورهما الأخضر.

 

وإذا انحنى الهواءُ على وجهي

كيَدِ الملاك الرقيق

عرَفتُ أنّي غرقتُ في حلمكِ

وصرتُ رايةً خفّاقةُ

لسفينتي التي تعبرُ جسدِكِ المضيء.

***

سأغنّي لكِ

هذا النشيدَ الخارجَ مسامّي

بلونِ الضوء.

 

سأغنّي لكِ

هذه القصيدةَ الخضراء

من غاباتِ عينيكِ.

 

سأغنّي لكَِ

رائحةَ زهور نيسان

وهي تستحمّ في مسامّكِ المشرّعة...

 

وحين ينتحر الضوءُ على ابتسامتِكِ السماويّة

أعرفُ أنّني أذوبُ في حبورِكِ المتدفّق

وأنّني

أولدُ مرّة ثانيةً

في جسدِكِ المضيء...

***

في رائحةِ الضوءِ المنبعثِ من وِجدانكِ الهادئ

أبحثُ عنكِ...

 

في رنينِ الأريجِ الذي يقبّل الغابات،

ويحتمي في قلبكِ البريّ

أبحثُ عنكِ...

 

في اتّساعِ الكونِ الغارقِ تحتَ حصاةٍ

وهو يختصرُ الآبادَ والآزال بقبلةٍ،

ويعتصرُ رقّةَ الإلهِ في قطرةٍ من نور

أبحثُ عنكِ...

 

في الجسدِ الممتدِّ أمامي كأنّه همسُ القدر

أو ماءُ التكوينِ يخرجُ منه الطَلْع،

في هدوء النشوةِ الصاخب

وهو ينزفُ رائحةَ النور،

في الأنينِ الرقيقِ الذي يختصرُ كلَّ الأعمار

وكلَّ الفرحِ في أضواء المجرّات،

في لهاثِ الجسدِ الذي يذوقُ الجسد

أو يئنّ بين رعشاتِ الحلم الطافر

والواقعِ المتبخّر كالحلم

أبحثُ عنكِ...

 

في كلِّ ألوانِ الزهور

وكلِّ تراتيلِ الأثير

وصلواتِ الجسد وهو ينفتحُ كالبحر،

في قصيدةِ اللذّةِ الأثيريَّة،

في أبجدية الشهوةِ الملتهبة،

في أرخبيلِ الجُموحِ الناهضِ من قلبكِ الغابِيّ

أبحثُ عنكِ...

 

في كلِّ خليّةٍ من خلاياي

وكلِّ نسَمٍ من روحي

أبحثُ عنكِ...

 

وأنتِ

تفيضينَ عنكِ في تَنهيداتِ الأبد

وفي خلَجاتِ الوجود وهو يضيء

وفي عَناقيدِ المجرّاتِ ترتعشُ على كرمةِ الكون

لتنعصرَ لكِ خمرًا

من صفاء...

 

أيُذهِلُني بَعدُ

أن أراكِ وسطَ الفردوس

شجرةَ الوعي؟

 

أيُذهلُني بعدُ

أن أراكِ تخر جينَ من مسامّي

ومن أعماقِ كِياني

قصيدةَ ألوهةٍ؟

***

يَتَفَكّكُ جسدي/ ينحلُّ فيكِ

لهاثَ نشوةٍ

من ضوء.

يَتَفَكّك جسدي

يَنسلّ قطعةً قطعةً إلى جسدِكِ،

يركعُ في أوقيانُس الشهوة،

يكتبُ بالحبرِ الأبيض

رحلةَ النور الجديدة،

أو

يرسمُ منارةَ الشهوات

حينَ تضيقُ الأرض

وترحلُ في ثقبِ الإبرة،

حين يصير الكون كلّه

أضيقَ من لقاء.

 

يتفكّك جسدي/ يحترقُ بَخورًا لكِ.

يتبرّكُ بكِ/

يُباركُكِ

وأنتِ لفظةُ الخَلْقِ: كُنْ،

مسرحُ التكوين...

أنتِ، وحدَكِ، الجسدُ والرحلة،

والَّمّ، والسفينةُ، والأشرعة...

أنتِ، وحدَكِ الذاتُ التي تأتلق

لتكونَ في الذاتِ خارطةَ التكوين.

وحدَكِ الجسدُ،

وحدَكِ الرحلةُ في ضباب اللذّةِ المضيئة،

إلى حيثُ الأحلامُ تُساكِنُ الملائكة،

إلى حيث لا يودّ جسدٌ أن يعود.

(انتهت: 14/11/2006)
ديزيره سقَّال

«تــجــاوز»
مجلة إلكترونيَّة شهريَّة أدبيَّة ثقافيَّة
 
تصدر عن جمعيَّة «تجاوز» وتنشر إلكترونيًّا وحصريًّا عبر موقعنا:
Sky of LEBANON.com

العدد السادس
شباط (فبراير) 2007
 

شعر بالفصحى

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2007