|
«ما
نفع الإنسان إن ظلّ إنسانًا؟»
-
I
-
رأتْ إلى الظلام الذي يكتَنِف الأرضَ رحمًا دافئًا، لم تفض،
وألْفتْ في عيونه قلعةً صلبةً تخزن كلَّ عَرَض.
أحسّت بضميرها يطلع من ضمير الليل، وتحوّلت عيناه في هذا
الضمير الجديد إلى عينيها، ترى بهما من خلاله وتكتسب، فيُورق ما
بداخلها، وتنشقُّ الأعراض عن جواهرَ اختزَنَتْ عمقَ «الكَونيّ"، وضوءَ
الغبطة العميق، حيث ينبض كلُّ الكون، ويهتزّ في موسيقى التكامل، ورحاب
الأبد...
هكذا وصلت برؤيتها إلى ما وراء العَرَض، فإذا
به «رؤيا"،
وانقشع أمامها العالم، داخلاً وخارجًا، فولجت إلى عمق الجوهر، واستمدّت
من شفافيّته التامّة شفافيّةَ ذاتها.
وانطلقت، من ثَمّ، تبحث عن جوهر الوجود المطلق عبرَ
الشفافيّة التي كانت تُغلّفها في الرحم، وتُنصِتُ إلى هاجس صوته ينمو
في كلّ خليّة من خلاياها، وتتكلم بصوته وقد اهتزّ في أوتارها.
وما لبثت أن أبصرت أمامها ينبوع النار، فخرج من هذه النار
جسدُها، وكانت بذلك ولادةُ بذرة الإنسانيّة الأولى بكلّ ما فيها من
تناقض وتكامل، وبكلّ ما يجتمع في طبيعتها الجديدة من ذاتٍ مصقولة حتى
الأثير، وجسدٍ صفيقٍ، شَفّ عن ذاته العميقة.
واكبتِ الآلهةَ في تفوّقها ورؤياها، فإذا بها رائية مثلها،
حاملة نارَها، تتقمّص التحوّل المستمرّ فوق الزمان والمكان. واكبتِ
المطلقَ في ثباته العظيم، وحركة أجزائه المتناغمة اللانهائيّة، فكانت
سرمديّة مثله، ثابتةً، أبديّة الحركة...
كانت في الأثير تشتفّ رؤيا الشمس، وتهيم في المطلق، سابحةً
في صوت الربّ وكينونته، تستَطلِعُ من كلّ حالٍ لهَبَ الوحدة الأولى...
وعندما يغرب نور الشمس، تستنبط من الليل ماهيّة السكينة، وتستكشف عمقَ
الأسرار الكبيرة.
وإذا ما أُفرِغت الأشياءُ إلا من السكون في خضمّ الصمت
الكبير، عادت إلى ذاتها عوداتٍ دائمةً، تستَكْنِهُ ماهيّةَ الذات من
خلال سحرٍ أبعدَ من سِحر الكيمياء، وتدرس أسرارَ القلب الكبيرة، فتُدرك
كيفَ تضيءُ المحبّةُ بهياكلِ الضوء العظيم، وكيفَ تُطهّر العالمَ
بترانيمها الأثيريّة.
رأت إلى خبايا المتناقضات حياة كبرى، واكتشفت كيف تؤلّف بين
الضدّ والضدّ، فتجعلهما وحدةَ حياة، في طيّاتها سحرُ الجوهر، وحركيّة
العَرَض. ومن توحيد المتناقضات، عرفت كيف تحوّل الشمسَ في داخلها إلى
سيلٍ من النار، يجرف معَ مَطافه درَنَ الشوائب، ويصفّي النفسَ من
تشنّجاتِ اليأس والتفكّك.
كان الأثيرُ عالمًا يغتسلُ في ماهيّة الكيان الكبير، فيتراءى
عاريًا أمامَ وجه الشمس. كان الأثيرُ رحمًا للتكوين، حيث تتجمّع
القوّةُ للخلق، وتتجدّد نعمةُ العالم.
-
II
-
رأت إلى جنةِ عدنَ كوكبًا فقدَ ماهيّته؛ فعادت إلى سديميّ’
الماهيّة، لتدرس عن كثبٍ حقيقتها؛ ففهمت أنّ النقصَ والفقدانَ ناتجان
عن ضعف الطبيعة البشرية، وعن نسيانها تلك «الراهبة المنسيّة". عندئذٍ
تكشّف لها سرُّ «الفردوس المفقود"... ومات في داخلها الذهول، وراح
الفكر يلعب والحدسَ في مجال المطلق، يغتسلُ بشموليّة الجوهر، وحركيّة
العرَض.
وكان الوعيُ سرَّها الأكبر، حيث تجلى له
«الكلمة» فهمًا
جديدًا، وفَتحًأ مُغايرًا ومستمرًّا في تاريخ الإنسانيّة والوجود. وإذا
بالطبيعة البشرية تنشقّ عن روح إلهيّة تَمسح الزمانَ والمكان، وتتخطّى
الأبعادَ، لتجمع دقائقَ الوجود والزمن في لحظةٍ بعمر الأبد. وعبرَ
القناة المفتوحةِ مع المطلق، يُضيء الوحيُ زوايا الكون، فيلتمّ كلُّه
في رؤيا واحدة، ناجزة، متكاملة....
كان صفاء الوعي في عالم الأثير أعمقَ كشفٍ للذات؛ وكان
تَكامُلُه يعلّمنا كيف نعرّي يأسَنا الصغيرَ عن عزمٍ عظيم، وكيف
نَبْتَني من لهيبنا الإنسانيّ الداخليّ تاريخًا وقدرًا خاصّين،
يقوّضانِ أكذوبةَ الأساطير، ويسحقانِ التَيهَ الذي انجذرَ في عقلِ
الإنسان، إذْ سرى بعروقه خَدّرٌ سمّاه «القَضاء"، وسمّ سمّاه «القدَر"!
-
III
-
نظرَتْ إلى الأسفل – إلى آدم – فرأته تائهًا بين قوم تائهين،
مشتَّتًا في ارض يمزّقها النسيانُ والضَياعُ الوانقص، يبكي مصيرَه ولا
خلاص... كان أعمى بلا رؤيا، يقف وحيدًا دونَ حقيقة الكينونة، يتشبّث
بكلّ وهم ليخلّصه من دوّامة العبث والفراغ...
رأته يحمل صمتَ الدهور، عَقيمًا، يسكن في وحدته، وينظر إلى
فصول الحياة تنهار أمامه كالرمل، يحاول أن يُمسِكَ بها، لكنّها تتلاشى
من خلال أصابعه.
رأته أنشودةً حزينة، ضائعة، بين أصوات الكون، يبحث عن فضاء
الضوء، فيغرق في جحيم الظلمات، ويحاول أن يستأثر بالحياة، فترتدّ عليه
بالناب والمخلب.
رأت آدمَ يتمسّك بالفكر، وهو يجهل جوهره، فيُفلِت منه الفكرُ
ويدمّره. رأته يحمل العلمَ ناموسًا للبقاء، فيردّه جثّةً محنّطةً
مقدَّدَة، لا نبضَ فيها ولا حياة. كان آدمُ يَمْثُلُ أمامَها هيكلاً من
العظام، يتجرجر في غروب الشمس، ويحاربُ، عبثًا، عقمَ البقاء!
-
IV
-
طارَحَتْ نفسَها سؤالاً عميقًا:
«كيف السبيلُ إلى شفافيّة
الضمير؟» واستطالَ فيها الحزنُ الساجي... وأحسّت بضجعةِ الأرض نداءً
عميقًا يستدعيها، وهي في حال تأمُّل، خارج المكان والزمن. أحسّت
برثاثةِ حكم النواميس الآدمية؛ واستفاق فيها الرفض مجدّدًا، وسمّرتها
لحظةُ التحوّل في الآتي. غيرَ أنّ الأسى فيها لم يفارقها، فابتسمت
حزينة، وقد رأت نفسَها تعود عودتَهاا المستمرّة، كأنّما لتُسدِلَ
الستائرَ على جحيم سدوم...
أمام هذا العزم، تجمّعت ذاتها، كاملةً بين يديها، وإذا بها
تتشخصَنُ مجددًا في الأثير؛ واستيقظت أحلامها النائمة أمام عينيها
شريطًأ تراه ولا تراه، واهتزّ عزمُها مجدّدًا، وعاد طيف «الفردوسِ
المفقود» يداعبُ حنينَها.
وإثرَ هذا العزمِ انتفضَت روحُها المتشَخْصِنَة، واستمدّت من
صفاء الأثير حالَ عودة إلى الجسد، ومن رؤيا المطلق «عينًا ثالثة"، ومن
عناصر الشمس ولهبها قوّةً.
وتجلّى شخصُها في غمرة السكون الأثيريّ، وسطَ ترانيمَ لا
تُحصى من أصوات الملائكة، ونداءاتٍ سحيقةٍ من الغيب تتجمّع بين كفّيها،
وتتغلغلُ إلى قلبه المُفعَم بالنشاط الكونيّ...
طفِقَتْ ترنّم هي أيضًا، وانضمّ صوتُها إلى صوتِ الجوقة
الملائكيّة، وجثَتْ تحتَ فيضِ النور الإلهيّ، يرتعشُ كلُّ كيانها،
وتُفلِت من عينيها عَبَراتُ الفرح والمحبّة: «أمٌّ أنتِ، وأمَّ العالمِ
سوف تبقين..."
عندئذٍ انكشف لها الفكر البتول، واستيقظت من غيبوبة المخاض،
فاندفع فيها البوحُ الربّانيّ، وأدركتْ، بيقينِ نبيّ أو مسيح، أنّ
بوحَها هذا سوف يكون قُوتًا في مخازنِ الجائعين، وقوّةً تشحن سواعدَ
الضعفاء، وحبورا يَسري في قلوب الضعفاء والمَنكوبين... وإزاءَ هذا
الدفق الأثيريّ الذي تفجّر فيها، انفتحت نفسَها أمام وجه الله،
تستَبطِنُ عزمَه، وتشعُّباتِ الحياة، وامتداداتِها من نفَسِه، لتتمكّن
من أن تُعيدَ النظامَ الهَيكليّ إلى الإنسان المعذّب.
تجسّدت فيها روح
«الكلمة"، وسَرَى في كيانِها صَبرُه وحبُّه
– «في البدءِ كان «الكلمة". وأيقنَت أنّها وُجدت لتفعل، وإلا تلاشتْ،
وبطلتْ ماهيّتها... «أنتِ فِعلٌ، وستبقينَ الفعلَ الوحيدَ الذي تنبثق
منه حياة العالم."
وبعد أن تفجّرت فيها ذاتُها، اندفعتْ في السماء تصلّي
للإنسان الذي يوشِكُ أن يصرعه جهلُه ونسيانُه... وكانت صلاتُها هذه
فجرًا جديدًا في تاريخ الإنسانيّة، ونقطةَ انعطافٍ في تاريخ العالم...
-
V
-
رأت إلى نفسها في عالم تعصف به الأوهام، وتستبدّ به فجائع
المادّة. رأت إلى نفسها وحيدةً بين أجساد عصفَ بها الصَلَف فعَتَت،
ورفعتِ القبرَ تحتمي به من الحياة، فإذا البؤسُ مصير الرؤيا الفارغة،
حيث لا شيءَ سوى وهم المادة، وخَواءِ العقل.
عرَفت «يوليسَ"،
وعانت مثلَه الضياعَ في العالم؛ وعرفت «زرادشت» وعانت مثله صراعَ النور والظلام؛ وواكبت المسيحَ في دروب الجلجلة،
تُقدّم نفسَها معه أعظمَ ذبيحةٍ ترقى بها البشر. هكذا وصلت إلى حقيقة
الانتصار المتألّه.
ولم يسَعْها الكونُ ولم يفهمْها. فانشطرَتْ ذاتُها، وتغرّبت
في نفسها، بعيدًا عن مستنقع البشر، تجترّ الحقائقَ المَقيتة، وتُسدِل
ظلامَ السكونِ فوق فجائعِ الواقع المحنَّط.
عادت إلى الجوهر تتأمّل فيه، فلم تُسعِفْها قوّة الجوهر في
العالم الصفيق. ونظرت إلى العرَض، فرأته واهيًا، يتلاشى في غبار ذاته.
فانكمشت عن الوجود، وانسحبت منه، ولاذت بذاتها تبني له منها ذاتًا
جديدة...
في عالم تزعزعه المادّة، وتَنخرُ عينيه أشباحُ الوهم،
ويحنّطه أفيونُ الكلام الفارغ؛ في عالم تجذّرَ بتربة العطش والفراغ،
واستنبتَ تمزُّقاتِ الخيبة من أرض حياته، تجلّت وحدَها، تواجه
العَناصرَ المَمسوخةَ، وتتكبّد عبءَ البقاء.
في عالم يحتمي بالقبر من القبر، ويدفع الموتَ عنه بالموت،
طلع اسمُها، وانحفر في أعماق كيانها، فحملته تنوء بنبوّته.
في عالم هجرَه الله، وفقدَ الإنسانُ من قلبه عينيه، تألّق
أمام ظلام الموت اسمٌ جديد، بكر، تحدّاه، ووقفَ كالبرجِ يواجه قافلةَ
الزمن القَديد: الراهبة المنسيّة؛ وأقسمَ أنّه سوف يُعيد الله المفقودَ
إلى القلوب المتهدّمة، والإنسانَ إلى «الفردوس المفقود".
عندئذٍ، التأمَت اذتُها مجدّدًا، وثقبت شرنقةَ وحدتها، وخرجت
من صَقْعِ غربتها إلى بَوار العالم، تبحث فيه عن فرَح الآتي بعد أن تمّ
التكوين، فرأتْه طَرْحًا في خرائب الشرق، مهشّمًا بين آلات الغرب،
يَنعى المصيرَ الذي آلَ إليه...
فنظرت حولها، وإذا بالعالم المضعضعِ يُطبق عليها ليخنقَها،
وإذا بوحش الصمت المظلم يشرئبّ أمامَها، حاملا في عينيه أسى الحياة
العاقر في مَنأى وحدةِ الذات – في البدء كانت الوحدة!
تُرى، هل تستطيعُ أن تُعيدَ الجوهرَ إلى العالم؟ هل تستطيع
أن تفجّرَ دِفقَ النار في أطباق الجليد؟ هل تستطيع أن تُعيد الحياةَ
إلى عامل مكسور، تترامى فيه خرائبُ القيامة؟
يتبع في العدد
القادم
حلقة العدد السابق:
قراءات وإشارات
تمهيد
رواية
«الراهبة
المنسية»
للدكتور
ديزيره سقال |