|
- خطوة واحدة... خطوة واحدة فقط وينتهي كلّ شيء.
وارتفعت صفّارة القطار حتى
بات صوتها كموسيقى جهنمية يعزفها الجنّ.
- خطوة واحدة... خطوة واحدة
فقط وينتهي البؤس والشقاء.
ردّدت رهف ذلك مرارًا،
لكنّها لم تجد الشجاعة الكافية لتُقدِم على ما يدور في بالها.
- الحياة؟ ولمَ الحياة؟
ألِقضْي العمر أتجرّع أكواب العذاب قطرة قطرة؟
وكأنّما هذه
الفكرة الكئيبة هزّت مشاعره، وأعادت أشباح الماضي إلى مخيلته، فراحت
تستعيد في الذاكرة صور متقطعة من ماضيها.
من أين تبدأ؟
إنّها لا تدري. فكلّ ما تعرفه أنها فتاة ثرية، مدلّلة، عاشت في كنف
عائلة إقطاعية لبنانيّة، قدّمت لها كلّ ما تتمناه من عزٍّ وجاه.
أمّا والدها
«البك»، فكان يمثّل لها الرجل المحبّ العطوف، إلى أنا صُعقت بالحقيقة
المرّة.
فذات مرّة،
وبينما كانت تتنقل في الحقول والبساتين، لتمتّع نظرها بالعناقيد الشهية
التي تدلّت على أمّاتها، وبالشمس ترسل خصلها الذهبية لتستحمّ في الجدول
الرقراق، سمعت حوارًا دار بين
«البك» وأحد الفلاحين، نزل
عليها كالصاعقة.
- أرجوك، يا بك. أمهلني حتى
نهاية الشهر، فأسدّد كل ديوني.
- جميعكم تقولون هذا.
جميعكم متشابهون.
إليك هذا السّوط اللاذع،
لعلّك تتعلّم أن تعيد المال إلى أصحابه.
- سامحني، يا سيدي. ولكني
رجلٌ فقير، أعتاش من خيرات هذه الأرض الطيّبة. وما معي لا يكفيني لسدّ
حاجات أسرتي.
- أمهِلكَ حتى آخر الأسبوع،
وإلا فحسابك سيكون عسيرًا.
وامتطى
«البك» جواده، ونظر إلى
الكلّ نظرة تحدٍّ وعنفوان، وانطلق الشرر من عينيه، فبدا كالوحش الكاسر،
يريد الانقضاض على القطيع، فيمزقه إربًا إربًا.
جمدت رهف في
مكانها، إنها مبهوتةً، وكأن ألف مطرقة هوت على رأسها دفعةً واحدة.
- مساكين هم أولئك
الفلاحون، يستنزفون عرق الجبين في سبيل العيش كرام. ولكنّ هذا «البك»
لا ينفكّ يطالبهم بكل ما يملكون حتى يفرغ جيوبهم.
- عجيب! لم يسكت الفلاحون
عن هذا الأمر؟ لمَ لا يثورون للمطالبة بحقوقهم؟ إنّ هذا لظلم فادح!
أصداء كثيرة
تلقتّها رهف. أرادت أن تتكلم، أن تصرخ، فربّما يهدأ البركان الذي يفجّر
حممه في أحشائها. لكن الكلمات احتارتْ على شفتيه، وغرقت عيونها في ظلمة
مهيبة.
ودارت عجلة الأيام... ودار
معها دولاب حياتها.
وها رهف قد وقعت
في غرام أدهم، شابّ من طبقة العمّال والفلاحين. سحرها بالبسمة الفاتنة
التي تتألق على شفتيه، وجذبها إليه برقّة قلبه وكلامه المعسول.
أمّا رهف، ففتاة
طاهرة كزنبقة الحقل، تفجرت فيها الأنوثة، فلا يمكن لأيٍّ من الشبان
مقاومة العذوبة المنسكبة من زرقة عينيها، أو تناثر خصل شعرها الذهبية.
وارتفعت وتيرة الصداقة بين الشابين، حتى صارت أساس متين لعلاقة حبّ
نشأت بين الطرفين.
ولكن، هل تتمكن
مداميك هذه العلاقة من الصمود، وعدم الانهيار أمام عنفوان «البك»
وجبروته؟
ورهف مختلفة كلّ
الاختلاف عن أبيها «البك». لطالما دافعت عن الفلاّحين وناصرت
المظلومين، وكان لها مواقف تعاطف مع الفقر والفقراء.
لذا كانت تمتلك
من الشجاعة ما يكفي لتواجه ثورة أبيها وغضبه. وللمرة الأولى تحوِّلت
رهف من فتاةٍ حييّة رقيقة إلى امرأة صلبةٍ جبّارةٍ، فوقفت أمام والدها
«البك» كالشجرة التي تتحدّى العاصفة، وتأبى الانكسار.
- اليوم، يا رهف، تقدّم شاب
لخطبتك. هو ينتمي إلى أسرة مرموقة، ويحتلّ مركز مهما، قادر على تأمين
ما تحتاجه الفتاة في عصرنا، من عزٍّ وثروةٍ ومال.
- ولكنني لا أعرفه. فكيف لي
أن أرتبط بشاب غريبٍ لا تجمعني به أية صلة؟
- بمن تريدين الارتباط
إذًا؟ بأدهم، ذلك التافه الذي لا يستحق التفاتة واحدة منكِ.
- أدهم ليس تافه. إنه شاب
طيّب ومقدام، يكافح ويكدح ليل نهار في سبيل العيش، ولكنّ ذهنك المتشبث
وروحك المتعالية يدفعانك إلى رؤية الكلّ حشرات تدوسها بقدميك. أليس
العامل إنسان مثلك، مكوّن من لحمٍ ودمٍ، وقلب ينبض بالمشاعر الدافئة؟
لِمَ تلك القسوة؟ لِمَ هذا الغرور؟ يبدو أنَّ العاطفة تحجّرت في قلبك
كما الضمير في باطنك.
ولكنّ هذا الكلام
لم يرقْ لـ«البك»، فبدأت غيوم ضبابية تغشى ذهنه، وبدأ رأسه يلفّ ويدور.
وكانت حصيلة هذا
التخطيط حادث مؤلم وقع لأدهم في البرية أودى بحياته. فبعد أيام من
البحث والتفتيش، عثر عليه أحد الصيادين ممدد تحت سنديانة عتيقة، يسبح
في بركة من الدماء.
يا لهول المصيبة!
لم تتمكن رهف من احتمال الكارثة. وكان الخبر المؤلم كالسياط اللاذعة
تلهب ظهره. أحسّت بأعصابها تحترق في جسده، خصوصًا بعدما باتت على يقين
من أن نفوذ «البك» وكبرياءه أودت بحياة حبيبه، للحؤول دون زواجهما.
يا لخيبة الأمل! أحسّت رهف
باليأس يعصر قلبه، فاندفعت وراء مشاعرها الثائرة، وغادرت قصر والدها.
ولكن سبل الرزق أوصدت دونها.
فما قرعت باب طلب
للعون إلاّ وأغلق في وجهه. وما طلبت عملاً شريفا إلاّ وعُرِضَ عليها
ألفَ عملٍ رخيصٍ.
واستمرّت رهف في
حال الضياع هذه حتى سرى الشحوب إلى وجهه، فصار كالليمونة الصفراء.
وذبلت الوردة المتفتّحِة، وشاخت أوراقها حتى همّت بالسقوط.
منذ أسبوع تحطّمت
آمالها وأحلامه، وهي لا تدري ما هو القدر الذي كتب لها هذه الصفحات
الكئيبة. وها هي الليلة على بعد خطوةٍ واحدةٍ من الموت.
- خطوة واحدة... خطوة واحدة
وينتهي كل شيء.
وتصاعد صوت صفارة القطار
أكثر فأكثر.
فجأة، سمعت رهف
صراخ شق سكينة الليل، فتناست موقفه، وراحت تبحث عن مصدر الصوت. وجدت
بين الصخور طفلاً بريء يستغيث ويصرخ طلب للعون، لكنّه لا يلقى مجيب سوى
صدى صفّارة القطار، فتنحدر الدموع على خدّيه.
أثار هذا المشهد
شفقة رهف، فاحتضنت الطفل بين ذراعيه، ونظرت إلى وجهه الرقيق، فترقرقت
الدموع في عينيه، وانحدرت على وجنتيها. وما هي إلاّ برهة حتّى هتفت:
- أنت وحيد مثلي. لقد
تلاعبت بنا الأقدار، وتخلّت عنّا الأيام، لكنّ السماء لن تتخلّى عنّا.
سنكافح معًا من أجل العيش، وتخطّي المصاعب. وستكون سلوتي في دنياي، يا
ملاكي الصغير.
زهرة الإحسان
الجائزة الثانية في الأقصوصة العربية
2004 - 2005 |